الإثنين 21 أغسطس 2017 - 10:06 ص

النوبة في السودان وما تعرضوا له من انتهاكات ومحاولات إبادة وتذويب..

النوبة في السودان وما تعرضوا له من انتهاكات ومحاولات إبادة وتذويب..

 

 

من كتاب الدكتور أمين مكي مدني "جرائم سودانية بالمخالفة للقانون الإنساني الدولي 1989 ـ 2000

 

الطبعة الأولى 2001

 

الناشر: دار المستقبل العربي

 

رقم الإيداع بدار الكتب المصرية 1878/2001

الانتهاكات في جبال النوبة

تميزت قبائل النوبة غير العربية، التي تقيم في الجبال المعروفة بذلك الإسم في جنوب مديرية كردفان غربي السودان، بوضع متفرد في الحفاظ على ثقافتها وتقاليدها، وأسهمت في مجالات السياسة والاقتصاد والفنون في البلاد عامة. كما أبلت بلاء حسنا في خدمة القوات المسلحة منذ إنشائها، وفي مساندة الثورة المهدية في مواجهة المستعمر. وبالرغم من بعض الخلافات بين أبناء المنطقة من حيث انتماءاتهم الدينية إسلاما أو مسيحية أو غيرهما، أو من حيث ثقافتهم العربية أو الأفريقية، أو من حيث تمازجهم بالقبائل العربية المجاورة أو تلك التي تقع في أواسط البلاد، سعيا وراء التعليم ووسائل كسب العيش، تمكن أبناء جبال النوبة من تحقيق قدر كبير من التعايش السلمي مع بقية أبناء المنطقة، فيما عدا النزاعات الموسمية بينهم والقبائل العربية التي تشاركهم الأرض والكلأ والمرعى.

لعل وصف الحال بهذه العمومية يفتقر إلى الموضوعية والإنصاف في معالجة مسألة انتهاك حقوق الانسان، وما عاناه أبناء النوبة في فترة ما بعد الاستقلال من تهميش وتجاهل في نواحي التنمية، وخدمات الصحة، والتعليم، والسكن، والطرق، والصناعة، والبنيات الأساسية الأخرى، التي تعد من أساسيات مقومات الحياة مما نتج عنه هجرة معظم الشباب والمقتدرين إلى المدن ومناطق الزراعة والصناعة في وسط البلاد، حيث ظلوا على هامش الحياة في تلك المناطق.

تعرض أبناء جبال النوبة لممارسات قمع وبطش من الحكومات المتعاقبة بصور متفاوتة منذ الاستقلال. وتشير تقارير عدة إلى أن تسليح القبائل العربية لمحاربة وقهر أبناء الجبال وجنوب كردفان استمر منذ النظام المايوي، مروراً بالفترة الانتقالية التي أعقبته وفترة الديمقراطية الثالثة. كما أن هناك دعاوي لديها أيضا ما يسندها عن تجاوزات الحركة الشعبية لتحرير السودان في انتهاكات حقوق أبناء جبال النوبة. وكما سبق القول في المقدمة، تظل المعلومات في متناول اليد ويظل لكل من يرى ذلك حقه في التقدم بالبيانات عن الوقائع التي قام بها مسؤول أو معارض أو آخر، في هذا العهد أو ذاك، لمحاسبة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان والاقتصاص للضحايات أمام القانون وكشف الحقائق للتاريخ.

غير أننا وكما أسلفنا معنيون بالأساس بتلك الفترة من الزمان خلال فترة حكم الجبهة الإسلامية بعد انقلاب يونيو 1989، والممارسات التي قام بها الحكام والمسؤولون خلال تلك الحقبة تحت اسم "التوجه الحضاري" ودفاعا عما يسمى بالعقيدة والوطن. اعتمد الناظم الحاكم فلسفة التوجه الحضاري الذي يعني بالأساس تكريس مفاهيم سيادة الإنتماء العربي والإسلامي، وتهميش كل ما هو غير ذلك، وإرغام ذوي الانتماءات المختلفة للانصياع لذلك التوجه وقبول الدرجة الثانية من المواطنة، أو مواجهة البطش والإبادة والترحيل القسري من مناطقهم ليحل مكانهم العرب المسلمون. كما قامت السلطات، من خلال القوات المسلحة والدفاع الشعبي التابعة للجبهة القومية الإسلامية، بانتهاج سياسة القرى المحروقة من خلال قصف مدن وقرى الجبال، وقتل الرجال والشباب بدعوى تعاونهم مع أو انتمائهم إلى حركة التمرد.

ظلت منطقة جبال النوبة بسبب تلك الممارسات منطقة مقفولة، يحظر على الأجانب والسائحين والدبلوماسيين والصحفيين الاقتراب منها أو زيارتها لأي سبب كان، وليس بالإمكان حتى استخراج إذن استثنائي لدخول المنطقة. ارتكبت القوات المسلحة وقوات الدفاع الشعبي فظائع بشعة وجرائم ضد الإنسانية، كالتعذيب والقتل والإبادة الجماعية والترحيل القسري وغيرها من الجرائم ضد الإنسانية دون ذنب، ودون أن تكون هناك حالة حرب أو نزاع مسلح بين الحكومة وأبناء جبال النوبة. وقد جعلت السلطات من المثقفين والمتعلمين من أبناء النوبة أطباء ومحامين ومعلمين وموظفين وقادة اجتماعيين أهدافاً خاصة لذلك البطش والترويع.

كما انتهجت أجهزة النظام القمعية سياسة لا إنسانية تجاه النساء والأطفال. فبعد أن يتم قصف قرى الجبال وحرقها وقتل أعداد كبيرة من سكانها، تدخل القوات إلى تلك الأماكن وتقضي على كل من كان حياً من الرجال والشباب الذين لم يتمكنوا من الفرار، ثم تجمع النساء والأطفال ويتم توزيعهم على ما تم تسميته "قرى السلام"، حيث يتم إجبار غير المسلمين على إشهار إسلامهم وتغيير أسمائهم إلى أسماء مسلمين ويتم ختان الأولاد. وبعد ذلك يأتي رجال القبائل العربية لاختيار النساء وأخذهن "زوجات" لهم واصطحابهن مع عدد من الأطفال ليعملن معهم في منازلهم أو مزارعهم بأسلوب لا يختلف عن الاسترقاق والسخرة.

ينبغي أن نذكر في هذا السياق أن تلك الممارسات البشعة التي مارسها النظام في جبال النوبة، والتي وصلت حد الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، على الرغم من تستر النظام على ممارساته وإغلاق المنطقة في وجه الصحفيين والأجانب، بمن فيهم الدبلوماسيون والسياح، ما كان لها أن تصل إلى تلك الدرجة من القسوة والفظاعة لولا تجاهل المجتمع الدولي وانصرافه عما يدور في تلك المنطقة، وعدم إدراجها في أولويات اهتمامه كما في في مناطق أخرى من العالم. ولا يعفي المعارضة السياسية ومنظمات حقوق الإنسان السودانية والإقليمية عدم إيلاء الاهتمام الكافي لتلك الأوضاع. لكننا نسجل بكل التقدير جهود بعض المنظمات الدولية وخوضها المخاطر والصعاب لكشف تلك الحقائق، منها مؤسسة Beekabo Pictures [هامش: فيلم "The right to be Nuba" قام بتصويره Emma Sharp, Hugh D. Aybovry في العام 1993] التي تمكنت، بعون من المنظمة السودانية لحقوق الإنسان، من الدخول إلى تلك المناطق عبر الدول المجاورة بمساعدة الحركة الشعبية. وكذا مؤسسة African Rights التي فعلت نفس الشيء. وقد قامت كل من المؤسستين بتصوير فيلم وثائقي تناول تحقيقاً دقيقاً عن الأوضاع ومقابلات الضحايا والمعاقين وتصوير القرى المحروقة، بما فيها المنازل والكنائس والمساجد. كما قامت الأخيرة بإصدار كتاب شمل نتائج زياراتها. [هامش: كتاب "Facing Genocide: The Nuba of Sudan " أصدره Alex Duval, Yohannes A. Ajawin في 1995.] أيضا اهتمت منظمة العفو الدولية بنشر تقارير وافية ومفصلة عن تلك الانتهاكات نشير إليها فيما بعد.

وعلى الرغم من التقصير العام الواضح في هذا الصدد، تظل دلائل وبيانات كثيرة عن الأحداث التي قام بها المسؤولون من خلال القوات المسلحة وقوات الدفاع الشعبي والتي تعد مخالفات وانتهاكات صريحة للقانون الإنساني الدولي تقتضي محاسبة ومحاكمة المسؤولين عن ارتكابها.

كما تضمنت التقارير السنوية التي تقدم بها المقرر الخاص الدكتور قاسبار بيرو، منذ توليه أعباء منصبه في العام 1993 م حتى استقالته في 1998 م، أدلة دامغة تؤكد ارتكاب تلك الجرائم. في هذا الصدد تذكر منظمة Africa Right في مقدمة كتابها المشار إليه:

„Do the Crimes against the Nuba warrant the Term “Genocide”? They certainly fit the legal definition contained in the 1984 Genocide Convention, and if the Sudan Government is able to pursue its programme unhindered for one or two more years, many thousands of Nuba people will have been killed, the majority of women and girls raped, and children separated from their parents and subjugated to forcible change of identity, in addition to the tens of thousands who will have perished in the Nuba people will no longer exist in a recognizable state. They will be politically subjugated and socially dismembered with their distinctive cultures obliterated.

[هامش: المرجع السابق. جدير بالذكر أن تلك المنظمة حصلت على عدد من الإفادات المشفوعة باليمين حول عدد من الانتهاكات، وسوف يأتي الوقت الملائم للكشف عنها خاصة ممارسات التعذيب والتصفيات والإبادة التي أشرف عليها العقيد أ. خ. الذي نقل ليعمل ملحقاً بإحدى السفارات بالخارج]

وقد أشارت تلك المنظمة إلى أن تقريرها، وهو الأول من نوعه بالنسبة للمنطقة، استند على شهادة أكثر من مائة وثلاثين شخصاً من ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التابعين للمنظمة، ووثائق سرية من أوراق القوات المسلحة السودانية. ولهذا التقرير أهمية بالغة وعناية بتوثيق معلومات دقيقة معظمها مستقاة من شهادات الضحايا وذويهم ونشطاء حقوق الإنسان على الأرض في المنطقة، مما يقتضي دراسته بتفصيلز

وعودة إلى المقرر الخاص بيرو في تقاريره السنوية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ولجنة حقوق الإنسان بجنيف. فقد أوضح في أول تقرير له أن الصراعات والمنازعات الاجتماعية بين العرب والنوبة كانت، قبل انقلاب الجبهة، يغلب عليها الطابع القبلي، لكن في معظم الحالات كان يتم التوصل إلى تسوية وفقاً للعادات والتقاليد المحلية [هامش: مذكرة الأمين العام للأمم المتحدة إلى الجمعية العامة للدورة 48 متضمنة تقرير المقرر الخاص A/ 481601 بتاريخ 18 نوفمبر 1993 ص 19.] "بيد أن هذه المنازعات لم تعرض للخطر ما للمجتمعات المحلية المختلفة من علاقات تاريخية وثقافتها البيئية ولا بالمحافظة على هويتها العرقية والثقافية. إذ كان من المألوف التزاوج وحتى وجود أناس ينتمون إلى ديانات مختلفة داخل الأسرة الواحدة. ولكن ابتداء من منتصف الثمانينات تغيرت هذه الحالة بشكل درامي وبالتالي ما لم توقف العملية الحالية المتمثلة في اجتثاث المجتمعات المحلية للنوبة، فقد تصبح هذه العملية غير قابلة للإنعكاس [هامش: المرجع السابق ص 20].

تعرَّض التقرير إلى فترة الديمقراطية الثالثة وإنشاء المليشيات العربية التي عرفت باسم "المرحلين"، التي أعيد تنظيمها في سنة 1989 م حينما عرفت باسم "قوات الدفاع الشعبي"، التي أضفى عليها نظام الجبهة طابعاً قانونياً بموجب مرسوم صادر في نوفمبر 1989 م، مما جعل مواطني المنطقة عرضة لكافة أنواع الفظائع التي ترتكبها قوات الدفاع الشعبي والجيش والأجهزة الحكومية الأخرى، ومن قوات الحركة الشعبية من جانب آخر. [هامش المرجع السابق ص 20].

يصف المقرر الخاص زيارته إلى المنطقة في سبتمبر 1993 م، والتي قامت بترتيبها سلطات الحكومة محددة المواقع التي يجوز له زيارتها، وأخرى منع منها لأسباب أمنية أو بسبب الأمطار. يقول المقرر الخاص أن ما لمسه إبان تلك الرحلة هو "حالات الانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان التي ارتكبت في المنطقة المذكورة، وتجدر الإشارة مرة أخرى إلى أنه بالنظر إلى الطابع المعقد لهذه المسألة ينبغي النظر إلى هذه الحالات بوصفها عناصر في سياق أكبر، ويتميز هذا السياق بعملية جارية وتعتبر مستمرة تلقائياً في العديد من جوانبها بالفعل، وهي ترمي إلى استئصال هيكل مجتمعات النوبة التقليدية." [هامش: المرجع السابق ص 21].

من الواضح أن تقرير المقرر الخاص يشير إلى انتهاكات وقعت أيضا من قبل الحركة الشعبية، وذلك في إطار الحرب الدائرة بين الحكومة والحركة، وسعي الأخيرة لتوسيع نطاق الأرض التي تسيطر عليها وتأمين سندها من الرجال والسلاح والمؤن. بينما يصدق القول أن انتهاكات حقوق الإنسان لا تصح حتى بمثل هذه التبريرات، وتبقى الحقيقة في الفرق بين دوافع تلك الاعتداءات ودوافع الانتهاكات التي تقوم بها الحكومة من خلال الجيش وقوات الدفاع الشعبي، المتمثلة في الإبادة الجماعية والتطهير العرقي للمنطقة، من خلال قتل أو نقل السكان وإحلال قبائل عربية مسلحة مكانهم، بدعوى التوجه الحضاري العربي الإسلامي، دونما أي اعتبار لكون أبناء النوبة مواطنين سودانيين، وإن كانوا ليسوا عرباً أو جميعهم مسلمين.

ويؤكد المقرر الخاص أن زيارته إلى المنطقة أحيطت بوجود أمني مشدد، اختار له الأماكن التي يزورها ومنعه من مناطق أخرى بدعوى وعورة الطرق أو رداءة الطقس أو وجود قوات تمرد في بعض المناطق. وحتى في الأماكن التي تمكن من زيارتها، لم تترك له حرية الاتصال بمن يرغب من المواطنين العاديين دون حراسة ورقابة مشددتين، فيما عدا حالات استثنائية. كما لاحظ المقرر الخاص وجود أعداد كبيرة من المليشيات المدنية المسلحة وإشارات عديدة تؤكد وجود عناصر "الجهاد" ضد المواطنين، رغم إنكار الحكومة لذلك. وسعت السلطات وبعض المواطنين المرعوبين إلى إرجاع معظم حالات عدم الاستقرار إلى هجمات المتمردين، غير أن المقرر الخاص تمكن من الحصول على إفادات عديدة وجهت الاتهام إلى سلطات الحكومة وقوات الدفاع الشعبي التي شاركت في حرق القرى واعتقال وتعذيب واغتيال المواطنين وإجبار الشيوخ والنساء والأطفال على الرحيل إلى "قرى السلام" [هامش: المرجع السابق ص 26 ـ 328].

أشار المقرر الخاص على وجه التحديد إلى عمليات قتل خارج نطاق القضاء وإعدام بدون محاكمة. ففي رسالة بتاريخ السادس من أكتوبر 1993 م وجهها المقرر الخاص لوزير العدل بخصوص عيسى شريف أحمد، وموسى شريف أحمد، وخليفة آدم الأزرق، وأحمد الأزرق، الذين نقلوا من سجن الأبيض في مايو 1993 وأعدموا على يد الاستخبارات العسكرية في منطقة تقع خارج قرية سلاره. [هامش: المرجع السابق ص 29]. وفي نفس الرسالة أعطى المقرر الخاص أسماء تسعة أشخاص ذكر أنهم اختفوا من سجن الأبيض، وزعم أن ثلاثة منهم هم إسماعيل سلطان (ابريل 1992) وكرتبير بشير (يونيه 1992) وإبراهيم بشير (يناير 1990) توفوا نتيجة التعذيب وسوء المعاملة [هامش المرجع السابق ص 29].

وفيما يخص التشريد والترحيل القسري، أكد الشهود للمقرر الخاص أنه في صيف 1992 م جرى نقل أعداد من الأشخاص المشردين من المعسكرات حول كادقلي إلى شمال كردفان بمبادرة من السلطات في الأبيض، يقدر عددهم بحوالي عشرين ألف شخص من النوبة، نقلا في عشرين شاحنة لا يعلم مصيرهم. لكن شاهدا أفاد المقرر الخاص أن بعضهم قضى في مخيم شمال كردفان. [هامش: المرجع السابق ص 30] وينهي المقرر الخاص تقريره بالاستنتاجات الآتية:

"المقرر الخاص لا يتردد في الاستنتاج بأنه حدثت انتهاكات فادحة لحقوق الإنسان في السودان، بما فيها أعداد كبيرة مما يجري خارج الإطار القضائي من ضروب القتل، والإعدامات بإجراءات وجيزة، والاختفاءات الجبرية أو غير الطوعية، التعذيب المنظم، والاعتقالات التعسفية الواسعة للمشتبه بأنهم من المناوئين. بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن هناك عدداً من الأشخاص تعرضوا للانتقام بعد أن نقلوا معلومات للمقرر الخاص". ويخلص المقرر الخاص إلى الاستنتاج بأن "انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان تقع بصورة خاصة على نحو واسع النطاق في جبال النوبة، حيث يبدو أن الحكومة تتسامح مع السياسة التي تتبعها السلطات المحلية في إفراغها المنطقة من السكان في حربها مع الجيش الشعبي لتحرير السودان. ويبدو أن أحد المكونات الهامة لهذه السياسة هو النقل الإجباري للسكان من مكان إقامتهم وأحيانا النقل الإجباري العام للسكان النوبيين. [هامش: المرجع السابق ص 31].

لم تتوقف اتهامات المقرر الخاص عند هذا الحد، بل توالت في جميع تقاريره الأخرى تندد بانتهاكات الحكومة المتواصلة. ففي تقريره امام الدورة الخمسين للجنة حقوق الإنسان ذكر المقرر تقريراً حول إعدام ثمانية وستين من شيوخ النوبة في جبل أوتورو في أواخر 1991 م، وأشار إلى شهادة مصورة بالفيديو قدمها أحد الشيوخ الناجين من تلك المجزرة موضحاً أن الشيوخ استدعوا لاجتماع مع السلطات الحكومية، وعند وصولهم لم يكن هناك اجتماع، بل تم اعتقال جميع الحضور، وتوثيق أيديهم خلف ظهورهم، وأخذوا إلى سجن قضوا فيه تسعة وخمسين يوماً. وفي إحدى الأمسيات تم نقلهم في شاحنة إلى مكان ما حيث أطلقت عليهم النار، وجرح الشاهد في رأسه، وتمكن من التسلل إلى الغابة حيث قضى أربعة أيام، وكان جميع الآخرين قد قضوا نحبهم.

ويقول المقرر الخاص أن ألوف المواطنين المدنيين تمت تصفيتهم بهذه الطريقة، وأن أماكن إقامتهم وانتمائهم العنصري ودياناتهم غالباً ما تؤخذ ذريعة لاتهامهم بالتعاون من حركة التمرد. [هامش: تقرير المقرر الخاص إلى لجنة حقوق الإنسان في دورتها الخمسين E/en. 4/1994/48 ص 8.] ويستطرد التقرير:

"وادعى أن أفراداً من الجيش ومن قوات الدفاع الشعبي والمليشيات قد أعدموا بلا محاكمة مئات المدنيين من المسلمين والمسيحيين على السواء، وتنفيذ هجمات عشوائية واسعة النطاق على قرى النوبة التي يشتبه في تعاونها مع جيش تحرير شعب السودان. وتفيد الشهادات الواردة بأنه كان يتم، أولا، تطويق القرى ثم قصفها بالمدافع لتطهير المنطقة من أي جنود تابعين لجيش تحرير شعب السودان. وبعد القصف، تدخل قوات المشاة إلى المنطقة فتطلق النار عشوائياً، وكثيراً ما تعدم الشباب في الحال. وتفيد عدة مصادر أن للجيش وقوات الدفاع الشعبي حرية التصرف المطلقة في هذه العمليات، فأي شخص يحمل سلاحاً أو أي شاب أو أي شخص يحاول الهرب أو يقاوم الاعتقال يتعرض، فيما يبدو، لخطر الإعدام. وعلى سبيل المثال، ذكر شخص للمقرر الخاص أنه يقال أن ستة وثلاثين مدنيا قتلوا في مطلع 1990 م عندما هاجمت المليشيات قرية تومو، وقيل أن عدد منهم ماتوا حرقاً في منازلهم، ومن بينهم "كانو كافي" الذي كان يحاول الخروج من منزله فدفعوه إلى الداخل ثم أشعلوا النار في المنزل. [هامش: المصدر السابق، ص 9]. ووصف شخص آخر كيف هاجم الجيش والمليشيات قرية النقطة (بالقرب من أم دولو) في الصباح الباكر في شباط / فبراير 1991 م فقد أحرقت المنازل، وقيل أن ثلاثة وعشرين مدنيا قتلوا، منبينهم ثلاثة أطفال ماتوا في الحريق، وفي ربيع وصيف 1992 م قيل إن "تلال تولوشي" هوجمت هجوماً واسع النطاق، وتفيد الشهادات الواردة بأن مئات من المدنيين قتلوا في هذا الهجوم، مات العديد منهم نتيجة القصف المدفعي المكثف بينما مات آخرون حرقا داخل منازلهم، أو قتلوا بإطلاق الرصاص عليهم عن كثب. وذكر شاهد عيان للمقرر الخاص أن سيدة مسنة، كانت ضمن مجموعة من النساء سترحل إلى بلدة كادقلي، قتلت رمياً بالرصاص لأنها لم تستطع الإسراع في المشي. وفي هجوم على قرية العتمور النقرة في كانو الأول / ديسمبر ادعي أن قسيساً، وهو "ماتي النور"، وأكثر من عشرين فرداً من طائفته قد حبسوا داخل الكنيسة وماتوا في الحريق الذي أشعل فيها عمداً".

ويواصل التقرير سرد وقائع أليمة عما حدث لبعض المواطنين الآخرين وقراهم وممتلكاتهم. ويكاد الأسلوب الذي يصف به المقرر الخاص تلك الوقائع مطابقاً تماماً لشهادة "خالد الحسيني"، ضابط الأمن وشقيق حاكم كردفان الشهير اللواء سيد الحسيني الذي أشرف على تلك العمليات، وسنعرض لتلك الشهادة لاحقاً.

ويصف تقرير لمنظمة العفو الدولية بالتفصيل العمليات الحكومية التي استهدفت تدمير النوبة وقتل الآلاف وإعادة توطين عشرات الألوف في قرى السلام، واغتصاب النساء واختطاف الأطفال، وتدمير المنازل ومخازن الغلال والماشية والمحاصيل، وقطع الصلات بين المناطق التي لا تسيطر عليها الحكومة والعالم الخارجي. إضافة إلى تعرض قيادات النوبة والمعتقلين للاعتقال والتعذيب والتصفية الجسدية، ويورد التقرير أحداثاً بعينها تصف بتفصيل ما وقع من دمار مع تسمية القرى والضحايا الذين تعرضوا للتعذيب والتصفيات. [هامش: دموع اليتامى: مرجع سابق ص 78 ـ 85، راجع أيضا تقرير منظمة العفو الدولية "ويلات الحرب" مرجع سابق لمزيد من التفاصيل].

نتيجة لتلك الأعمال البشعة، التي استهدفت إبادة قبائل النوبة وترحيلهم من مناطقهم، والتصفية الجسدية للرجال والشباب وخاصة العناصر المتعلمة منهم، اضطر الألوف إلى هجر البلاد والعيش في المنفى، للعمل ضمن تنظيمات قائمة مثل الحزب القومي السوداني ومنظمة "نوب" NOB ومنظمة تضامن النوبة بالخارج، للعمل على فضح انتهاكات النظام لحقوق أهاليهم. ففي لقاء مع سليمان رحال، رئيس المنظمة الأخيرة، مع مجلة "الحوار" التي يصدرها المنبر الديمقراطي بلندن، ذكر رحال أن المنظمة قامت بمبادرة من أبناء جبال النوبة خارج السودان في 1991 م "بعد أن وصلت ممارسات القمع والتقتيل والتعذيب والتشريد لأهلنا في جبال النوبة على يد نظام الخرطوم مرحلة ما كان من الممكن أن نصمت عليها أو نغض الطرف عنه. هذه الممارسات وجهت بصفة خاصة ضد المثقفين والمستنيرين من مواطني جبال النوبة... [هامش: مجلة الحوار، العدد الثاني، يونيه 1993، ص 15]. ويواصل ليقول: "منذ سبتمبر 1990 م وحتى يناير 1991 م، أي خلال أربعة أشهر فقط، تم اعتقال مائة واثنين من مثقفي جبال النوبة ومعظمهم من خريجي الجامعات، ومعلوماتنا المؤكدة تقول أن عدداً كبيرا منهم قد تمت تصفيته بدون محاكمات... إنها محاولات مخططة للإبادة وتدمير الثقافات عن طريق تغييب حملة الثقافة والفكر المستنير" [هامش: المصدر السابق ص 16]

"أما الدلائل المادية فهي عديدة، في مرحلة أولى تم اختطاف الأطفال بأعداد كبيرة (حوالي خمسة آلاف طفل)، وتم ترحيلهم إلى مناطق شيكان وبقية مناطق شمال كردفان ... هنالك بدأ النظام محاولات غسيل المخ لهؤلاء الأطفال وضمنهم لقوات الدفاع الشعبي .. آخرون ما زالت مصائرهم مجهولة ... أما الدليل الآخر هو ما لم يعد الآن سراً حيث أقدم النظام على إبادة جماعية للقرى، ذلك أن الهدف هو محاولة استئصال الجذور بكل الوسائل ..." [هامش: المرجع السابق ص. 17]. وفي ندوة عقدتها المنظمة السودانية لحقوق الإنسان، فرع القاهرة، أشارت إلى انتهاكات حدثت بحق أبناء النوبة من جانب نظام الإنقاذ. وذكرت أن النظام قام في عام 1990 م بحملة إبادة بخور العفن شرق كادقلي، تمت فيها تصفية أكثر من ثلاثة آلاف مواطن دفنوا في مقابر جماعية. [هامش: دورية حقوق الإنسان السوداني، المنظمة السودانية لحقوق الإنسان، سبتمبر 1998، ص 8]

كما يشير التقرير إلى حرق قرى بكاملها في عام 1991 م، واستهداف قبائل المورو التي أبيد منها عشيرة تتيفير المكونة من خمسين فرداً، وتصفية خمسة عشر مواطناً من قرية "كتلة" وثلاثين من قرية "الغار". كما تم إعدام المحامي حمدن حسن كوري ووالده، وشارك في قتلهما كل من الرقيب يونس الإحيمر وعرف الرقيق وثالث يدعى علي كمبو. [هامش المصدر السابق ص 8].

ويضيف التقرير اغتيال المواطن أحمد مسلم في الحادي والثلاثين من أغسطس 1995 في منطقة مايو جنوب الحزام الأخضر، بواسطة أحد فصائل الجبهة الإسلامية. كذلك اغتيال القس "يحنا تيه كوكو" من قرية "كرنقوتبانجا"، شارك في اغتياله وعبد السلام تية، عبد الله كرتيلكا، وخضر أحمد تونجا. [هامش: المصدر السابق ص 13].

أما الأمر الأشد خطورة من كل هذا، فهو أن تقرير المنظمة ذاك احتوى قائمة تشمل أسماء مائة وستين مواطناً من مختلف أنحاء جبال النوبة، يزعم أنهم اغتيلوا خلال 1990 ـ 1991 خارج نطاق القضاء، نوردها في الملحق رقم 2.

[توجد صور للملحق 2]

وأخيراً يشير تقرير المنظمة إلى أن من بين من شاركوا في عمليات الإبادة والتصفيات عدد من أفراد أجهزة الأمن المختلفة، نورد اسماءهم في الملحق رقم (3)

ــ

 

الملحق رقم 3

قائمة بأسماء رجال أمن يشتبه في مشاركتهم في عمليات قتل أو تصفيات [هامش: دورية حقوق الإنسان السوداني، المنظمة السودانية لحقوق الإنسان، سبتمبر 1998، ص 9]

 

ــ مقدم علي خميس

 

ــ مقدم عثمان دقنة

 

ــ ملازم عيسى

 

ــ مساعد عبد الرحيم أحمد جقدول

 

ــ رقيب أول جمال الفكي

 

ــ رقيب عمر النور

 

ــ رقيب سالم الفضيل

 

ــ وكيل عريف الفاتح

 

ــ عريف أبو القاسم حامد

 

ــ جندي صالح

 

ــ السيد الرضي

 

ــ سليمان الجقير

 

ــ ياسر حسن باترول

 

ــ عوض حسن فوح

 

ــ مقدم أحمد عبد الله

 

ــ رائد عثمان

 

ــ مساعد بلة

 

ــ رقيب أول أحمد حسن فرح

 

ــ رقيب أول حسن أبو النور

 

ــ رقيب أحمد سيد

 

ــ رقيب يونس الإحيمر

 

ــ عريف حسن صديق

 

ــ عريف علي كمبو

 

ــ وداعة محمود

 

ــ ياسر آدم حامد

 

ــ الطيب جمعة

 

ــ خميس شاويش

 

ــ الزيبق

أما المنظمات الدولية العاملة في مجال حقوق الإنسان، فقد أسهمت بدورها بشكل تفصيلي في وصف تلك الانتهاكات المأساوية. ففي تقرير African Rights صدر في كتاب وصفت المنظمة بصورة دقيقة الكثير من الأحداث، منها ما حدث قبل انقلاب الجبهة، ومعظمها قامت به من بعد قوات الدفاع الشعبي والقوات المسلحة في تدمير حضارة وقرى ومواطني جبال النوبة. أشار الكتاب إلى الصراعات التي كانت تدور بين القبائل العربية وقبائل النوبة، وهجمات قوات الدفاع الشعبي. وبعد عام 1990 بدأ التدخل الحكومي المباشر، فبعد مؤتمر للصلح بين المسيرية والنوبة قامت الحكومة بدعوة زعماء قبائل النوبة إلى اجتماع في "لقاوة"، وعند حضورهم قامت السلطات باعتقالهم جميعاً وأخذتهم إلى مكان يدعى "شاقو" حيث تم توثيقهم ورميهم بالرصاص، وكان عددهم أربعة وعشرين زعما ذكر منهم التقرير [هامش: مصدر سابق Facing genocide, the Nuba of Sudan:]

أحمد الإزيرق، وشيخ نمر شاقو، ومحمود داهر ملا، ومحمد آدم، وشيخ كامدا، ومحمد سليمان، وفضل النبي الإزيرق، وبريسا توتو، رئيس محكمة رأس الفيل، وموسى كوة، وشيخ كارلانيا، وخواجا كاليوا، وتوليش دالفيز.

قامت القوات المسلحة بعد ذلك مباشرة بتنفيذ هجوم على مختلف القرى في المنطقة وحرقها، بالرغم من عدم وجود أي أثر لقوات الحركة الشعبية هناك، وأخذت أعداداً كبيرة من المواطنين إلى أماكن غير معروفة. وفي أغسطس 1991 م عاد الجيش وأمر بإخلاء عدد من القرى واعتقل عدداً من المواطنين ورحَّل أعداداً أخرى. أما المناطق التي يشتبه بوجود قوات من حركة التمرد فيها، فقد لجأت الحكومة إلى سياسة الأرض المحروقة، من خلال قصف القرى والمحاصيل ونهب الأبقار وإجبار السكان على الرحيل. [هامش: المرجع السابق ص 77 ـ 78.] واضطر من تمكن من الفرار للالتحاق بقوات التمرد من أجل الحماية.

يشمل التقرير معلومات أخرى مذهلة عن أحداث وانتهاكات يعرض لها بتفصيل الزمان والمكان وأسماء الضحايا والمسؤولين عن ارتكاب تلك الجرائم، غير أن المجال لا يتسع لتغطية كل ما ورد في ذلك التقرير، أو غيره من التقارير الأخرى الصادرة عن جهات دولية مختلفة، رسمية وأهلية.

أما منظمة العفو الدولية، فقد نشرت عدة تقارير سردت فيها كثيراً من التفاصيل، التي سلفت الإشارة إليها، وغيرها من عمليات الإبادة والتطهير العرقي والترحيل القسري، كما أكدت على سياسة الحكومة في "القضاء على قادة النوبة السياسيين، كلما اشتبهت السلطات في أنهم معارضون للحكومة. وقد تعرض للاعتقال والتعذيب المتعلمون من أبناء النوبة، مسلمون كانوا أم مسيحيون، والأعضاء السابقون في "الحزب القومي السوداني" المحظور، والزعماء التقليديون في المناطق التي يعتقد أنها تتعاطف مع "الجيش الشعبي لتحرير السودان"، والموظفون الحكوميون، وعمال الصحة، والمعلمون، وغيرهم و "اختفى" آخرون، كما أعدم كثيرون خارج نطاق القضاء. [هامش: منظمة العفو الدولية، ويلات الحرب، القتل لأسباب سياسية والكارثة الإنسانية، مرجع سابق ص 9] ويمضي التقرير ليخلص:

"في جبال النوبة طبقت الحكومة سياسة إخلاء القرى من سكانها بالقوة، وإعادة توطين المدنيين فيما يعرف بـ "قرى السلام"، الواقعة تحت سيطرة الجيش و "قوات الدفاع الشعبي". وفي إطار هذه الاعتداءات وقعت عمليات إعدام خارج نطاق القضاء، وحوادث اغتصاب فضلاً عن قيام رجال المليشيات باختطاف النساء والأطفال. وحاولت السلطات تصفية كل من يشتبه في معارضته لها ممن يحتمل أن يكون لهم أي نفوذ... ولم تحدث هذه الاعتقالات في مناطق القتال نفسها فحسب، بل حدثت أيضاً بعيداً عنها في العاصمة الخرطوم وغيرها من المدن السودانية الشمالية" [هامش: المرجع السابق ص 3].

ويؤكد التقرير انتهاج الحكومة الترحيل القسري كسياسة رسمية، في إشارة إلى إعلان عمر سليمان آدم، مساعد المحافظ لشؤون السلام وإعادة التعمير في ولاية كردفان، في يناير 1992 أن السلطات قد أعدَّت اثنين وعشرين من "قرى السلام" لإعادة تسعين ألفاً من "العائدين" من الجيش الشعبي لتحرير السودان، أي المرحلين عن مناطق إقامتهم، لاستيعاب نصف مليون مواطن بدعوى أن ذلك يقع ضمن مشاريع لتنمية جنوب كردفان. [هامش: المرجع السابق، ص 7].

أما بالنسبة لبعض الحالات الفردية يصف التقرير ما يلي:

قتل متى النور وحرق كمال توتو:

"اعتدت قوات الجيش و "الدفاع الشعبي" في ديسمبر/ كانون الأول على قرية "العتمور النقرة" وهي من قرى النوبة المورو. وألقي القبض على القس "متى النور" وهو يصلي في كنيسته المسقوفة بالقش، وأوصد باب الكنيسة وبداخلها القس والشماس "بولس" وشيوخ الكنيسة مطمور، وزكريا، أبو نوك وعشرون آخرون من أفراد الأبرشية. ثم أشعلت النار في الكنيسة، فماتوا جميعاً بداخلها. وقيد كمال توتو، ثم ألقي به في الجمر، فأصيب بحروق أفقدته القدرة على استخدام يديه، ودمرت القرية" [هامش: المرجع السابق ص 9]

[تعليق: هذه صورة لكمال توتو من كتاب "دموع اليتامى" باللغة الانجليزية]

محمد نور أسو:

في أواخر عام 1990، ألقى رجال الاستخبارات العسكرية القبض على محمد نور أسو بينما كان عائداً من الصلاة بجامع كادوقلي. وتدعي السلطات أنها أطلقت سراحه فيما بعد، وأنه كان آنذاك بصحة جيدة، ولكن أحداً لم يره منذ قبض عليه. ومحمد نور أسو في العقد الخامس من عمره، وهو زوج لامرأتين وأب لثمانية أطفال. وهو طبيب أسنان، وعضو سابق في نقابة الأطباء. ومن المعتقد أنه اعتقل بسبب احتجاجه على تحويل المستشفى المدني للاستخدام العسكري، وقد "اختفى" وأغلب الظن أنه قُتل. [هامش: المرجع السابق، ص 10].

حمزة فرة الله وآخرون:

من أبناء النوبة الكامدا من منطقة لقاوة، اعتقل في الأبيض في أكتوبر 1991 م، واحتجز في بادئ الأمر في سجن الأبيض، ثم سلم إلى مسئول في الاستخبارات العسكرية لاستجوابه في لقاوة. وقد ورد أن الجنود الذين كانوا يرافقونه أعدموه في الطريق إلى لقاوة. كما لقي نفس المصير سعيد كباشي، وشكر الله نملة، وعمر تيه، ومختار موسى الذي قتل في ثكنات الجيش بلقاوة في أكتوبر 1991م [هامش: المرجع السابق، ص 10].

كرشوم منقو عطية:

مدرس ابتدائي من نوبة كادوقلي. اعتقل في بورتسودان في نوفمبر 1992، واحتجز في مكاتب الأمن ببور سودان عدة أيام ثم نقل إلى مكان غير معروف بالخرطوم ثم اختفى. تقل التقارير أنه أخذ إلى جنوب كردفان، وتقول تقارير أخرى أنه قتل [هامش: المرجع السابق ص 11].

شهادة خالد الحسيني

خالد الحسيني، شاب كان يعمل ضابطاً بالشرطة برتبة ملازم ثاني بالخرطوم، تم نقله إلى الأبيض في مايو من عام 1992 ليعمل مديراً لمكتب شقيقه اللواء سيد الحسيني حاكم إقليم كردفان، والذي عمل بعدها وزيراً قبل إحالته إلى التقاعد أخيراً. يقال أن اللواء الحسيني ارتكب أبشع جرائم الإبادة والتطهير العرقي إبان توليه منصب حاكم إقليم كردفان. وكسب رواية الشقيق الأصغر خالد التي أدلى بها في مؤتمر صحفي عقد في مارس 1994 على هامش اجتماعات لجنة الأمم المتحدة بحقوق الإنسان بجنيف، بسويسرا، حيث يعيش هناك كلاجئ سياسي منذ عام 1992 م ، يروي أنه وبمجرد وصوله إلى مدينة الأبيض وتولي إدارة مكتب شقيقه، بدأت عناصر الجبهة الإسلامية تحاصره ليل نهار بقصد استقطابه في التنظيم، إلا أنه ظل يرفض ذلك بإصرار، رغم محاولة شقيقه الحاكم ضمّه إلى الجبهة الإسلامية التي ينتمي إليها الحاكم نفسه. وفي مواجهة عناد الملازم خالد بدأت عناصر الجبهة بمراقبته ورصد حركاته، ومنعه من أية عطلات أو حتى إجازة صغيرة لرؤية والدته وذويه بالخرطوم. وأخيرا لجأت عناصر الجبهة إلى أسلوب خطير هو تلطيخ يد الضابط الشاب بالدماء، وإشراكه في عمليات الإبادة الجماعية للقرى في جبال النوبة وجنوب غرب كردفان. وبالفعل صدرت له أوامر عسكرية من شقيقه الحاكم للمشاركة في العمليات.

يروي خالد أنه شارك في عدد من العمليات، وصفها بلسانه. تبدأ هذه العمليات بقيام حملات عسكرية مسلحة بالأسلحة الثقيلة والدبابات، وتخرج ليلا متوجهة إلى مناطق جبال النوبة. وفي منتصف الليل تبدأ القوات بإطلاق النار والصواريخ والراجمات نحو القرى في أعالي الجبل، ويستمر القصف العشوائي طوال الليل. وعند الفجر تقوم القوات بتسلق الجبال ودخول القرى التي تعرضت للقصف، حيث تصدر الأوامر بإطلاق النار والقضاء على كل الرجال والشباب الذين لم يقتلوا أو يلوذوا بالفرار. وبعد ذلك يتم تفتيش و"تمشيط" القرية، لجمع النساء والأطفال وأخذهم مع القوات وتسليمهم إلى ما يسمى "قرى السلام". وفي قرى السلام هذه تتقاسم القوات والأهالي العرب النساء ويتم أخذهن كزوجات، كذلك يتم اصطحاب الأطفال إلى قرى العرب المختلفة.

يقول الملازم خالد أنه اضطر للمشاركة في تلك العملية عدة مرات، امتثالا للأوامر العسكرية التي تصدر له وللحصار الذي تفرضه عليه عناصر الجبهة الإسلامية في السلطة وأجهزة الأمن. ويذكر أنه قد عانى من ذلك الكثير وأصيب بأزمة أخلاقية حادة لم يدر كيف يضع لها حداً أو يخرج منها، علما أن نقله أو منحه عطلة صار أمرا مستحيلا. وتكررت مشاركته في تلك الجرائم الخطيرة، بعلم، بل أوامر، شقيقه الحاكم.

أخيرا سنحت له الفرصة في مارس 1993، حينما علم شقيقه الأكبر أن والدتهما مريضة ما يستلزم نقلها إلى عمان بالأردن لإجراء عملية جراحية عاجلة. ولم يكن هناك بد سوى أن يصحبها أحد الأخوين. فوق الاختيار على خالد الذي أخطره شقيقه الحاكم أن جميع الاجراءات سوف تتم في الخرطوم، وأن خالد سيسمح له بالسفر إلى الخرطوم في نفس يوم رحلة السفر إلى الأردن كي لا يبقى في الخرطوم. تقبل خالد الأمر وسافر مع والدته إلى عمان وبقي معها حتى أتمت فترة علاجها، وعندما همت بالعودة إلى السودان اعتذر بأنه لن يتمكن من ذلك. فودعها، وبعد سفرها تمكن من الحصول على تأشيرة دخول إلى سويسرا التي وصلها بعد أيام، وبقي فيها حتى الآن لاجئا سياسيا.

يروي خالد تجربته في ظل نظام الجبهة تحت إمرة شقيقه الأكبر، وما صاحب ذلك من ارتكاب أبشع الانتهاكات التي شملت القتل والإبادة الجماعية وترحيل السكان من مواطنهم، بهدف طمس هويتهم النوبية وفرض برنامج التوجه الحضاري العربي الإسلامي عليهم.

بالنسبة للسياسة العامة لحكومة الجبهة الإسلامية في المنطقة، أكد الملازم خالد الحسيني في شهادته في المؤتمر الصحفي أن الحكومة انتهجت، منذ استيلائها على السلطة، سياسة متعمدة ضد قبائل النوبة تتمثل في التطهير العرقي والاستيلاء على الأراضي والممتلكات أولا، ثم إعادة صياغة شخصيات من تبقوا ضمن برامج وسياسات الجبهة. وتنفيذا لذلك عمدت الحكومة إلى إرسال وحدات عسكرية مكثفة إلى القيادة العسكرية العربية في مدينة الأبيض، وعقدت لقاءات مع شيوخ القبائل العربية لاستنفار أبنائهم للدخول في قوات الدفاع الشعبي في حرب "جهاد" ضد قبائل النوبة. كما تم فتح عدة مراكز تدريب للدفاع الشعبي في عدة مناطق، منها الأبيض والنهود وكادقلي ورشاد. وكانت العمليات العسكرية تتم من كادقلي، حيث يتم حصر القرى المزمع إبادة سكانها وإعدادهم بناء على معلومات الاستخبارات العسكرية وأجهزة الأمن. ومن ثم تتوجه القوات مزودة بالسلاح والمؤمن بعد إعلان المنطقة "منطقة مقفولة".

في تلك المعسكرات يقوم "صندوق رعاية الأسر" الذي أوجدته الحكومة، بأعباء الإدارة وتتولى هيئة "الدعوة والإرشاد"، إحدى روافد الصندون، مهمة أسملة الأطفال وتغيير أسمائهم إلى أسماء عربية مسلمة والقيام بإجراء عملية الختان. كما يتم تشجيع النساء على التزوج من أبناء القبائل العربية والانتقال معهم إلى قراهم. أما من تبقى من النساء والأطفال يتم نقلهم للعمل في المشاريع الزراعية التابعة للحكومة.

وفي شهادته أمام منظمة African Rights بتاريخ الثالث عشر من يونيه 1995 م بجنيف ذكر خالد الحسيني:

“The ongoing order given to the troops is to kill anything that is alive, that is to say kill anybody, to destroy the area, to implement a scorched earth policy, to destroy everything, to burn the area, so that nothing can exist there, those are the orders of the troops there fighting in the area”

نترجم ذلك على النحو التالي: "الأوامر القائمة الموجهة إلى الجنود هي اقتلو أي شيء، أي أن يقتلوا أي شخص، أن يدمروا المنطقة، أن ينفذوا سياسة الأرض المحروقة وأن يحطموا كل شيء، أن يحرقوا المنطقة حتى لا يبقى شيء. هذه هي الأوامر الموجهة للجنود الذين يقاتلون في تلك المنطقة".

يستطرد الشاهد ليؤكد مخطط النظام لإبادة القيادات النوبية من زعماء القبائل والانتهم منهم لاتهامهم بعدم الولاء للنظام، وقادة التنظيمات ومن ثم المتعلمين غير الموالين للجبهة الإسلامية، الذين كان يتم اعتقالهم وتعذيبهم سعياً وراء تحقيق مبدأ ما يسميه التوجه الحضاري العربي الإسلامي.

ويؤكد الملازم الحسيني أنه زار عددا من قرى السلام وشاهد بعينه تنفيذ تلك الممارسات تطبيقا لسياسة ما تسميه الجبهة الإسلامية "التوجه الحضاري" أي الخيار الإسلامي العربي على أطفال ونساء لا حول لهم ولا قوة آل إليه مصيرهم.

 

 

 

 



1 4901 21/02/2015 - 11:51:57 PM طباعة

  • بواسطة : Hamad Guma Koko Ahmed

    22/02/2015 - 09:30:11 PM

    thank you for giving this unknown brief that we did not know at all, and we the Nubba people , so then we would like to know more news from and I will work with you to inform this ongoing serious situation in Nubba's people. I think is very good enough this brief is so much clear that what happing during those the period of time that already gone , but now we assuming and ready to fight with who ever did in the pass, is compare to the present day is different and everything will be affirmed later, and only one think that I did not agree with . so then did you just mentioned that were unsurgumsize, which is not correct and invite me to let you know that how the Nubba's were sirgumsized, so Nubba's people are the people who first stated to sirgumsized by the way before even Arab , during the Pharaohs, and this our first civilization to the people and this before even any religious to come.
أضف تعليق

أحدث الفيديوهات
اعلانات
زوار الموقع
إستطلاع الرأى

Loading...

facebook
تفضيلات القُراء
-
جديد الصور