الإثنين 19 فبراير 2018 - 07:46 م

مصر والسودان: مد وجزر متواصل وخلافات لا تتجاوز الخطوط الحمراء

مصر والسودان: مد وجزر متواصل وخلافات لا تتجاوز الخطوط الحمراء

 

مصر والسودان: مد وجزر متواصل وخلافات لا تتجاوز الخطوط الحمراء

العرب

د. خالد حنفي علي

القاهرة- كشف لقاء الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مع نظيره السوداني عمر البشير الذي انعقد مؤخرا في أديس أبابا عن بوادر انفراج الأزمة التي تصاعدت بين البلدين على خلفية مجموعة من القضايا المتداخلة، يبدو ظاهرها في علاقة بقضية سد النهضة الإثيوبي والموقف السوداني المزدوج منها، لكن هذه الأزمة ليست سوى قشرة، وإن كانت سميكة، تغطي تجاذبات وتعقيدات ميزت العلاقات السودانية المصرية على مدى عقود طويلة.

وبالنظر إلى تاريخ العلاقات بين البلدين الجارين، اللذين جمعهما في الماضي علم دولة واحدة، يبدو من الطبيعي أن تخفت حدة التوتر الذي سيطر على العلاقات بين البلدين في الفترة الأخيرة، في تطور يعكسه اللقاء الذي سيعقد الخميس 8 فبراير 2018 بالقاهرة بين وزيري الخارجية ورئيسي جهازي المخابرات في كل من مصر والسودان.

وجاء في بيان لوزارة الخارجية المصرية أن الاجتماع يأتي لتعزيز التضامن والتعاون في إطار العلاقة الاستراتيجية التي تجمع بينهما. لا يحمل بيان الخارجية المصرية أي تفصيل جديد، وما جاء فيه لا يعدو أن يكون تصريحات دبلوماسية صالحة لكل زمان ومكان وحدث.

لكن، خصوصية المرحلة وما شهدته العلاقات بين البلدين من توتر في الفترة الماضية، تضاف إلى ذلك تطورات الأوضاع في السودان بعد زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان وما بدا أنه ترويج لجذب السودان للمحور التركي القطري، كان من الضروري مثل هذا الحديث عن العلاقات المشتركة والتعاون الاستراتيجي.

وسبق أن سعى الرئيس المصري إلى التخفيف من هذا التوتر من خلال قوله “لم تكن هناك أزمة بين مصر والسودان وإثيوبيا في ما يتعلق بسد النهضة”، الذي تبينه أديس أبابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل.

عادت التصريحات الرسمية بين القاهرة والخرطوم إلى لغة روابط الإخوة والتذكير بالتاريخ المشترك. وتصاعدت نبرة ضرورة تصحيح مسار العلاقات. لكن ذلك وحده غير كاف لسد فجوة المسارات السياسية المتباينة منذ عقود. وبات الأمر يستدعي مكاشفة عميقة تنفذ إلى العوامل المغذية للأزمات الثنائية التي تصعد حينا وتخفت أحيانا أخرى.

تتمثل النقاط الخلافية في ميل السودان للموقف الإثيوبي الذي لا يرى ضررا من بناء سد النهضة الذي تشيده إثيوبيا على النيل الأزرق قرب الحدود السودانية، لكن إنشاءه أغضب القاهرة التي تخشى أن يقلل حصتها من مياه النيل. كما جدد السودان التلويح بورقة حول منطقة حلايب وشلاتين المتنازع عليها، واتجه نحو تحالفات ومحاور إقليمية مع المصالح المصرية بالمنطقة.

لكن تلك الأزمات ليست إلا عرضا لداء كامن يتعلق بتراكم المدركات والصور الذهنية السلبية بين شعبي وادي النيل، ورغم الإقرار بأن المجتمعين يتبادلان صورا نمطية إيجابية حول بعضهما البعض تتعلق بالتسامح والتعاون الثنائي بحكم المشتركات التاريخية والثقافية والمجتمعية والجغرافية، إلا أنه بالمقابل، لا يمكن إنكار أن هناك استشعارا لدى بعض النخب السودانية بـمعضلة عدم الندية أو فجوة المكانة، مع جارتها مصر، التي ساهمت تاريخيا مع الأتراك ثم البريطانيين في حكم بلدها قبل استقلاله في العام 1956.

يتعزز هذا الشعور بفعل ممارسات- غير واعية غالبا- لبعض وسائل الإعلام والأفلام في مصر التي تقدم نمطا سلبيا عن السودان ومواطنيه، دون إدراك أن التطور التعليمي في السودان بل، وأفريقيا بوجه عام، غير هذه الصور النمطية القديمة، وخلق رموزا ثقافية متطورة نالت صيتا إقليميا.

فجوة تفاعل

إن كان لا ينبغي الانزلاق إلى هذا النمط الشعبي السلبي، ففي الأغلب يمثل ذلك تعبيرا عن سياسات متراكمة للقاهرة والتي ظلت لعقود طويلة ترنو ببصرها سياسيا واقتصاديا وثقافيا ومجتمعيا نحو الشمال، بما أغفل ما يحدث من تطورات في مجتمعات الجنوب سواء كان في السودان أم أفريقيا جنوب الصحراء بوجه عام، والتي عادة ما يتم استحضارها في وسائل الإعلام المصرية في سياق الأزمات السياسية والاقتصادية دون النفاذ إلى جوانب أخرى مشرقة في هذه البلدان.

وتتعمق هذه المدركات الشعبية السلبية في الأذهان أكثر بفعل غياب التوازن في تدفق التفاعلات المجتمعية بين البلدين، فبينما تقول بعض التقديرات إن أعداد السودانيين في مصر بلغت حوالي أربعة ملايين نسمة، ففي المقابل، تقدر تقارير أخرى العمالة المصرية في السودان بـ50 ألف شخص.

لا يعبر ذلك المؤشر عن فجوة تفاعل مصرية مع السودان، فحسب، وإنما مع دول أفريقيا ككل، حتى أن الإحصاء الرسمي المصري الذي أعلن عنه العام الماضي يشير إلى أن نصف بالمئة فقط من إجمالي 9.4 مليون مصري بالخارج يتواجدون في أفريقيا، مقارنة بغالبيتهم الذين يقيمون في دول الخليج أو أوروبا.

صحيح أن لذلك الأمر منطقا جيوسياسيا، واقتصاديا، وأمنيا باعتبار أن مصر تبقى الأكثر استقرارا مقارنة بالسودان الذي عانى منذ استقلاله من انقلابات عسكرية ومن حرب الجنوب، فضلا عن أن التدفق المصري يتوجه غالبا لأسباب اقتصادية إلى مناطق الوفرة بحثا عن فرص عمل سواء في الخليج أو أوروبا.

وأسهم الخلل في التدفقات المجتمعية بشكل غير مباشر في ترسخ إدراك لدى بعض النخب السودانية، التي ترى أن القاهرة تحصر اهتمامها ببلدهم، في خانة المصالح الأمنية والسياسية الضيقة التي تتعلق بتأمين مياه النيل، أو حتى الاقتصادية في أفضل الأحوال.

ويدلل بعض السودانيين على ذلك بأنهم يهتمون بكل جوانب الثقافة المصرية، بينما لا يعرف بالمقابل المصريون الكثير عن ثقافة السودان وطبائع وعادات قبائله المتعددة، باستثناء بعض النخب المثقفة، والدبلوماسيين.

تراجع مسار العلاقات

بغض النظر عما إذا كان يمكن للبعض نفي تلك المدركات السلبية أو اعتبارها مجرد ادعاءات، لكن على الأرجح فإن لها تجليات تتبلور أكثر في الخطاب والممارسة السياسية في تفاعلات البلدين.

مثلا، تعثرت مشاريع التكامل بين مصر والسودان التي يتم الحديث عنها منذ ثمانينات القرن الماضي، بالرغم من أن تلك المشاريع كانت ستحول البلدين إلى قوتين اقتصاديتين إقليميتين، حال تنفيذها، نظرا لما يملكانه من مميزات متبادلة على صعيد الموقع المميز أو العمالة، والأرض الزراعية، أو الموارد المعدنية.

وحتى بعدما اختفت لغة التكامل، وحل محلها منطق الشراكة عبر اتفاقيات الحريات الأربع (حق التملك، والإقامة، والتنقل، والعمل) التي وقعت في العام 2004، فإنها واجهت بدورها تعثرا، على خلفية مخاوف سياسية وأمنية لإنفاذ بعض بنودها، فضلا عن توترات سياسية حالت دون تطبيقها، حتى أن السودان فرض خلال العام الماضي تأشيرة دخول على المصريين من سن 18 إلى 50 عاما، في سياق ما أسماه آنذاك بسياسة المعاملة بالمثل.

بل لوحظ أيضا تراجع تأثير المؤسسات التعليمية المصرية إبان حكم الإنقاذ والتي كانت قد شكلت لعقود طويلة أرضية للالتقاء الثقافي والمجتمعي والسياسي في وادي النيل، وعلى سبيل المثال، حلت جامعة النيلين في التسعينات محل جامعة القاهرة فرع الخرطوم التي انتقلت إلى القاهرة لخدمة الجالية السودانية، وعكس ذلك على ما يبدو تعبيرا عن رغبة نخب سودانية في الاستقلال التعليمي بعيدا عن مصر.

وتفسر تلك المدركات السلبية ولو جانبا من عملية تهميش القاهرة، بل والدور العربي عموما لصالح نظيره الأفريقي في مفاوضات انفصال جنوب السودان، بل إن المشاريع السياسية لنظام الإنقاذ السوداني سواء تبني المشروع الإسلامي داخليا في فترة من الفترات، أو الميل إلى الطرف الإثيوبي في سد النهضة، أو حتى الاتجاه إلى المحور الإيراني ثم القطري والتركي مؤخرا، تكشف عدم الانسجام سواء في الخطاب أو الممارسة السياسية بين توجهات الخرطوم والقاهرة.

يقينا، فإن معالجة المدركات السلبية الشعبية أمر معقد نظرا لتراكمها عبر عقود، علاوة على كونها نتاجا لعوامل متداخلة سياسية وثقافية ومجتمعية وتاريخية، بخلاف أنها ظلت حبيسة الوعي الثقافي والمجتمعي، لكن على الأقل، فإن أي مسار جاد لتصحيح العلاقات بين مصر والسودان يقتضي الإبلاء في إصلاح هذه المدركات عبر تعزيز الصور الإيجابية بين البلدين.

هنا، تقع المسؤولية أكثر على وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية والمجتمعية والتعليمية، فضلا عن تنشيط الزيارات، واستعادة فكرة الوفود الطلابية والجامعية والشبابية بين البلدين دوريا لتعزيز العلاقات.

باحث في الشؤون الأفريقية

 



0 715 07/02/2018 - 12:12:15 AM طباعة

أضف تعليق

أحدث الفيديوهات
اعلانات
المتواجدون حاليا
ae   1 au   4
cz   1 ly   1
ru   8 sa   1
unknown   3 us   18
إستطلاع الرأى

Loading...

facebook
تفضيلات القُراء
-
جديد الصور
follow us on twitter