الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 - 06:06 م

منظمات السلام الدولية.. وسطاء ظل يحققون ما تعجز عنه الدبلوماسية الرسمية

منظمات السلام الدولية.. وسطاء ظل يحققون ما تعجز عنه الدبلوماسية الرسمية

 

منظمات السلام الدولية.. وسطاء ظل يحققون ما تعجز عنه الدبلوماسية الرسمية

العرب

 د. خالد حنفي علي

احتضن مركز الحوار الإنساني في جنيف اجتماعا لعمداء بلديات ليبية (بنغازي، أجدابيا، توكرة، المرج، شحات، طبرق، الكفرة) خلال الفترة من 5 إلى 7 يوليو الجاري. وأثارت هذه المبادرة عدة استفهامات حول أهداف هذه المنظمة الدولية غير الحكومية، ومواطن قوتها، خاصة وأنها تمارس أدوارا متعددة في مجال تسهيل الحوار والوساطة غير الرسمية ليس فقط على الساحة الليبية، وإنما في العديد من الأزمات ومناطق الصراع في القارة الأفريقية.

وعرفت أنشطة مركز الحوار الإنساني تصاعدا لافتا في ليبيا وتونس، وشمال مالي وشمال نيجيريا، ولا سيما في مراحل ما بعد الثورات العربية. لكن لم تحظ هذه الأنشطة بضجيج إعلامي، مقارنة بأنشطة منظمات أو جهات فاعلة أخرى. مردّ ذلك أن المركز يعمل بالأساس وسيط ظل، أو فاعلا خلفيا غير رسمي يقدم المشورة الفنية لأطراف التفاوض، ويمهد للاتفاقات الرسمية المحلية، والوطنية بين المتنازعين.

ونظرة على التقرير السنوي الأخير لأنشطة مركز الحوار الإنساني عن العام 2016 تكتشف عمّا يملكه من نفوذ عالمي لا يقتصر على أفريقيا، وإنما يمتد إلى مناطق النزاعات المختلفة حول العالم.

وخلال السنوات الخمس الماضية، استطاع مركز الحوار الإنساني المشاركة في تسهيل ودعم 39 اتفاقية سلام، والحد من العنف المرتبط بالانتخابات، بخلاف العمل على 40 مشروعا آخر في أكثر من 25 بلدا حول العالم.

تأسس مركز الحوار الإنساني في جنيف عام 1999، كمنظمة دولية غير ربحية تمارس الدبلوماسية الخاصة، وفقا لمبادئ الإنسانية والاستقلالية والحياد، وذلك بغرض منع أو تخفيض أو حل النزاعات المسلحة عبر الوساطة غير الرسمية، وتيسير الحوار، كما تحرص على شمولية الأطراف المنخرطة في عملية السلام مثل، الشباب، والنساء والمجتمع المدني المحلي.

لا يمكن إدراك دلالات هذه الأهداف أو طبيعة المنظمة القائمة على إنفاذها، دون فهم السياقات المفسرة التي نشأت في غمارها. فبخلاف ما وفرته العولمة من بيئة حفزت تصاعد أدوار المجتمعات المدنية، والحديث عن “خصخصة السلام”، عرفت النزاعات الداخلية الأفريقية منذ تسعينات القرن العشرين تغيرا في طبيعتها، حيث باتت أكثر امتدادا داخل الأبنية المجتمعية، وليس فقط السلطوية، سواء من حيث فواعلها (أطراف دينية، وعرقية، وميليشياوية، وغيرها) أو قضاياها (سلطة، ثروة، هوية).

بالتالي، صار من غير الممكن أن تتصدى الدبلوماسية الرسمية (حكومات ومنظمات إقليمية ودولية) بمفردها لذلك التغير في الصراعات، وإنما أمست تحتاج بجوارها إلى تدخلات غير رسمية تمهيدا للسلام في المجتمعات لأي اتفاق تسوية رسمي كي لا يظل هشا، كما حدث في الكونغو الديمقراطية وبوروندي والسودان وغيرها.

من هنا، تنامت الاتجاهات لدى الحكومات الغربية للدفع بمنظمات المجتمع المدني لممارسة الدبلوماسية الخاصة ذات الطابع غير الرسمي في النزاعات الأفريقية، وانطوى الأمر على فوائد متعددة لها. فمن ناحية، تبدو هذه المنظمات أكثر قدرة على فهم ما يجري من تفاعلات مجتمعية في مناطق النزاعات، بحكم طبيعتها كفاعل غير رسمي.

ومن ناحية أخرى، توفر تلك المنظمات “كلفة سياسية” على القوى الكبرى، حيث تعفيها من الاتصال مع جماعات مسلحة في مناطق تتماس مع مصالحها، سواء لجهة عدم إعطائها الشرعية أو استثارة الحكومات الأفريقية أو حتى كذلك لوجود قيود قانونية، فمثلا يمنع قانون باتريوت الأميركي المسؤولين الرسميين من الاتصال بأي حركات مسلحة تصنف كإرهابية. قد يفسر ذلك السياق تنامي تدفق تمويل الحكومات الغربية لأنشطة منظمات الوساطة الخاصة، فعلى سبيل المثال، ارتفعت ميزانية مركز الحوار الإنساني من 16.2 إلى 30.1 مليون فرنك سويسري سنويا بين عامي 2011-2016.

وبحسب تقريره السنوي، يدخل ضمن أبرز المانحين الدوليين لمشروعات المركز في مناطق النزاعات الاتحاد الأوروبي وحكومات كالولايات المتحدة وألمانيا وكندا والنرويج وهولندا وسويسرا والدنمارك والسويد والمملكة المتحدة، فضلا عن مؤسسات خاصة، مثل جورج سوروس وصندوق الإخوة روكفلر وصندوق دعم السلام الأميركي وغيرها.

تعزز ذلك التوجه الغربي تجارب المسؤولين السياسيين والدبلوماسيين السابقين في النزاعات، على غرار تجربة الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر عبر مركزه (مركز كارتر) الذي لعب دور الوساطة في نزاعات شرق أفريقيا، وخاصة السودان وأوغندا، فضلا عن البحيرات العظمى أو الرئيس الفنلندي السابق مارتي أهتيساري الذي أسس مبادرة إدارة الأزمات سنة 2000.

الأمر ذاته يبرز في مركز الحوار الإنساني، فبإلاضافة إلى أن مؤسسه دبلوماسي بريطاني يدعى مارتن جريفز، يحوي أيضا خبرات دبلوماسية دولية تسهل القدرة على التشبيك مع المنظمات الإقليمية والأممية التي تعمل في الوساطات الرسمية في أفريقيا، مثل التنسيق مع مبعوثي الأمم المتحدة في ليبيا بدءا من برناندنيو ليون، ومرورا بمارتن كوبلر، ووصولا بالمبعوث غسان سلامة.

تتسم أنشطة الوساطة لمركز الحوار الإنساني في الدول الأفريقية بملامح أساسية أبرزها، “تسهيل الحوار”، أي أن المركز يطرح نفسه كمنصة لجمع الفرقاء، ولا يفرض حلولا، وإنما يقدم المشورة الفنية لرفع مهارات المتفاوضين على بناء أجندة توافقية.

وربما يعكس ذلك إدراكا عاما لحساسية الأفارقة، خاصة على الصعيد المجتمعي من فكرة التدخلات الغربية سواء أكانت رسمية أم غير رسمية. إضافة إلى أن أنشطة المركز تركز أكثر على الفواعل المحلية والقبلية في النزاعات الأفريقية، نظرا إلى ضعف فكرة الدولة والسلطة المركزية بشكل عام في القارة، دون إغفال السعي لبناء قنوات وسيطة لاستكشاف المواقف بين الحكومات ومعارضيها، بخلاف التشبيك مع الوساطات الرسمية والإقليمية.

لكن في بعض المواقع تواجه أنشطة مركز الحوار الإنساني صعوبات سواء عند تدخلاته غير الرسمية أو حتى في مدى فعالية وساطاته وحواراته. فعلى الرغم من أهمية فكرة تسهيل الحوار، وبناء أرضية مشتركة وتأهيل المتنازعين تفاوضيا، فلا يمكن بسهولة قياس تأثيراتها في عملية صنع السلام، لما يستلزمه ذلك من مراقبة لسلوك أطراف النزاع.

بل إن بعض اتفاقات السلام المحلية التي يتوسط فيها مركز الحوار الإنساني لم تكتب لها الاستدامة، فلم يصمد مثلا اتفاق السلام المحلي في جنوب ليبيا، بخلاف تعدد الفواعل الغربية غير الرسمية المتنافسة على الوساطة، حيث تبرز جماعة سانت إيجيدو التي تمارس هي الأخرى دبلوماسية الوساطة والحوار في غرب وجنوبي ليبيا.

الأكثر معضلة من هذا وذاك أن ثمة نظرة تشكك لا يمكن إنكارها سواء لدى الحكومات أو المجتمعات الأفريقية في نوايا المنظمات الأجنبية، فليس بالإمكان “واقعيا” عزل تأثيرات أنشطة هذه المنظمات عن مصالح مموليها الرئيسيين، بحكم النفوذ الغربي ومصالحه المتغلغلة في دول القارة، حتى مع الإقرار “نظريا” بتوخي مركز الحوار الإنساني معايير الاستقلالية والحياد عند العمل في ميادين النزاعات.

باحث في الشؤون الأفريقية

 



0 7718 29/07/2017 - 02:03:12 AM طباعة

أضف تعليق

أحدث الفيديوهات
اعلانات
المتواجدون حاليا
cn   3 ru   1
us   9
إستطلاع الرأى

Loading...

facebook
تفضيلات القُراء
-
جديد الصور
follow us on twitter