الإثنين 21 أغسطس 2017 - 10:04 ص

"القاتل الصامت" لمرضى المهق في أفريقيا


يُعرف مغني الريغي التنزاني سيكسموند مديكا باسم آخر هو "الرجل الأصفر لشرق أفريقيا"، وذلك لأنه مصاب بالمهق نتيجة نقص مادة الميلانين التي تعطي الجلد لونه وتحميه من الضرر الناشيء عن ضوء الشمس الساطع. والمهق هو مرض جيني موروث من الوالدين اللذين يحمل كلاهما جيناً معيبا يمنع الجلد من إنتاج الميلانين بشكل سليم.

وفي تنزانيا، يبحث المعالجون المشعوذون عن المصابين بالمهق من أجل الحصول على أجزاء من أجسامهم واستخدامها كوصفات لجلب الحظ والثراء. ويمكن أن يختطف الضحايا وتقطع أوصالهم عن طريق قتلة مستأجرين، أو حتى يباعوا عن طريق أفراد من عائلاتهم، إذ يصل سعر أعضاء المصاب بهذا المرض إلى 75 ألف دولار. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 80 شخصاً مصاباً بالمهق قتلوا منذ عام 2000.

لكن هذه الاعتداءات الوحشية ليست هي الخطر الأكبر الذي يهدد حياة المصابين بالمهق في أفريقيا، إذ يواجهون الموت البطيء من مرض يعرف باسم "القاتل الصامت". فبدون ميلانين يحميهم، فهم معرضون لخطر أكبر يتمثل في الإصابة بسرطان الجلد.

مصدر الصورة
Ross Velton

يقول مارك غلاشوفير، أستاذ بالأكاديمية الأمريكية للأمراض الجلدية: "عندما لايكون عندك ميلانين، فمعنى ذلك أنه لا توجد حماية، وتكون عرضة للأشعة فوق البنفسجية طوال الوقت، وليس فقط عندما تكون مستلقياً على الشاطيء".

ويضيف: "كلما كنت أقرب لخط الإستواء، تكون الشمس أقوى، وهو ما يشكل خطورةً أكبر للإصابة بسرطان الجلد".

وتقول الجهات المعنية بمرض المهق إن أكثر من 90 في المئة من المصابين به في أفريقيا يموتون قبل أن يصلوا إلى سن الأربعين.

ووصل مديكا إلى هذا العمر الآن، وهو ما يعني أن ساعة رحيله قد اقتربت. يقول مديكا، الذي خضع في سبتمبر/أيلول الماضي لعملية جراحية لإزالة ورم قرب أذنه اليسرى: "الشمس هي عدونا الأول".

ولكن في ظلال جبال كليمنجارو الأفريقة الشاهقة، هناك محاولة لمنح الحياة لأناس مثل مديكا، عن طريق دهان "كليمنجارو للحماية" من أشعة الشمس أو "كيليصن"، والذي صمم خصيصاً للمصابين بالمهق، لكن إيصاله للأشخاص الذين هم بحاجة حقيقية له وتشجيعهم على استخدامه ليس بتلك السلاسة.

وقد أنتجت وحدة إنتاج دهان كليمنجارو القائمة على سفوح جبال كليمنجارو 15 ألف عبوة من دهان "كيليصن" العام الماضي، حسب مافالدا سوتو فالديز، صيدلانية إسبانية طورت دهان "كيليصن" بالتعاون مع مركز تدريب تنزانيا الإقليمي للأمراض الجلدية.

وتشرح فالديز وهي تضع بعضاً من الدهان على يدها، كيف يبدو "كيليصن" أكثر تماسكاً من المنتجات الاستهلاكية العادية وأكثر مقاومةً للماء والحرارة. وتقول فالديز إن المصابين بالمهق يجتاجون لوضع اثنين ميليغرام من الدهان لكل بوصة مربعة من الجلد، مرتين يومياً.

مصدر الصورة
Getty Images

لكن الاستخدام المتكرر لكميات كبيرة من الدهان الواقي من أشعة الشمس ليس في متناول معظم الناس. تقول فالديز: "في تنزانيا يعيش نحو 80 في المئة من السكان على أقل من دولار ونصف يومياً. ويتراوح سعر الدهان بين 10 و15 دولاراً".

وهذا هو ثمن دهان يكفي لمدة شهرين. وتقول فالديز إن ثمن قارورة الدهان الذي يمنح المصابين بالمهق الحماية التي يحتاجونها قد يصل إلى 20 دولاراً.

يذكر أن غالبية دهانات الوقاية من الشمس في أفريقيا مستوردة أو متبرع بها. وتقل حاجة سكان القارة الأفريقية للحماية بسبب بشرتهم الداكنة والتي تحتوي على الكثير من الميلانين، بمعنى أنها لا تحترق من أشعة الشمس بسرعة.

وتنمو صناعة الدهانات الواقية من الشمس في تنزانيا بشكل متسارع من أجل حماية السكان المصابين بالمهق. ورغم عدم وجود دراسات على نطاق واسع، يُعتقد أن نحو واحد من بين كل 1400 شخص مصاب بالمهق في تنزانيا، مقابل واحد من بين كل خمسة ألاف إلى خمسة عشر ألفا في معظم مناطق أفريقيا الأخرى. ويبلغ عدد سكان تنزانيا 50 مليون نسمة، الأمر الذي يجعل المهق مشكلة صحية رئيسية في ظل هذا العدد الكبير. وفي أوروبا وأمريكا الشمالية، يقدر عدد المصابين بالمهق ما بين واحد في كل 17 ألف إلى واحد في كل 20 ألف من السكان.

وعندما ظهر دهان "كيليصن" عام 2012 استعمل لمساعدة 25 طفلاً، أما الآن فهو يعطى مجاناً لـ 2800 شخص في عيادات كل أربعة أشهر. ويمثل الأطفال أكثر من نصف الذين يحصلون على هذا الدهان.

ويقول مديكا إن مكافحة سرطان الجلد ينبغي أن يبدأ منذ الصغر، فقد نبذته عائلته بسبب جلده الأبيض وكان ينظر إليه على أنه لعنة، وقضى أيام طفولته هائماً على وجهه في الشوارع.

ويقول: "اعتدت على أن أهيم على وجهي في المدينة بلا ملابس تحميني، وقد لفحتني أشعة الشمس في كل مكان".

وقد ألقت حياة الشوارع مديكا في درب خطير، تسبب له في ورم في أذنه بعد صراعه مع الشمس.

وتمكن مديكا من إجراء عملية لإزالة الورم من أذنه في مركز كليمنجارو المسيحي الطبي بمدينة موشي. ولا يوجد سوى مستشفى واحد فقط في تنزانيا لعلاج السرطان.

مصدر الصورة
Carl de Souza/AFP/Getty Images

وفي الغالب، لا يعرف الأطفال المصابين بالمهق وأولياء أمورهم أهمية ارتداء القبعات والنظارات الشمسية والملابس ذات الأكمام الطويلة ومراهم الوقاية من الشمس، حسب بيتر آش، كندي مصاب بالمهق عملت مؤسسته الخيرية (تحت شمس واحدة) على جمع التبرعات لبناء مصنع "كيليصن" في مدينة موشي.

ويقول: "في الواقع لدينا بعض أولياء الأمور الذين يأخذون أطفالهم المصابين بالمهق ويعرضوهم للشمس لكي تصبح جلودهم داكنة اللون. وبهذا يحاولون أن يجعلوهم يبدون بلون طبيعي. وهكذا يصاب الأطفال بكل هذه الخدوش الملونة الداكنة، ومن ثم يقول أولياء الأمور: يا إلهي إنهم يتحسنون، بينما الواقع أنهم يصابون بسرطان الجلد".

ويحاول الفريق المنتج لمرهم "كيليصن" معالجة هذه المشكلة عن طريق توعية مستعملي المرهم الواقي من الشمس وعائلاتهم، وتعليم العاملين في مجال الصحة والمعلمين أخطار سرطان الجلد وأفضل السبل للوقاية منه.

ويترك المرهم الذي تضعه على يدك بقعة بيضاء، فالتركيبة القوية المكونة من ماء في مستحلب زيتي ليست مصممة لتظهر بمنظر جيد وأن تتماهى مع الجلد كغالبية المراهم الواقية من الشمس.

وربما يحد ذلك من جاذبية "كيليصن" في بعض البلدان حول العالم، كما يقول أندرو بيرني، طبيب أمراض جلدية في مستشفى إيست كنت في بريطانيا. ولكن في أفريقيا يفضل الناس أن يروا ويشعروا بأنهم يستعملون شيئاً على جلودهم.

ولا يصل مرهم "كيليصن" إلى جميع أنحاء تنزانيا، علاوة على أن توفير المال اللازم لعلاج عدد أكبر من الناس يعد أحد العقبات الرئيسية أمام انتشار كيليصن. ويستخدم مديكا فنه الغنائي لجمع المال اللازم لشراء المرهم، والقبعات والنظارات الشمسية لمن لا يستطيعون شراءها.

لقد قضى سرطان الجلد على أقرب الأشخاص إلى مديكا: أمه ووالده، وأخته. وخلال العام الماضي، لحق بهم شقيقه، الذي يقول عنه مديكا: "لقد عرف كيف يحمي نفسه، لكن من الصعب أن تجلس في الظل منتظراً بينما لا تجد شيئاً تأكله. لقد كان عاطلاً عن العمل".

لقد ألقى الفقر بشقيق مديكا داخل حلقة مفرغة، كما فعل مع كثير من المصابين بالمهق في أفريقيا. يقول إكبوناوسا إيرو، خبير أممي في علاج المهق: "ينتهي الأمر بالمصابين إلى العمل تحت أشعة الشمس سواء في التجارة أو الزراعة، وهذا يعرض جلودهم للإصابة بالسرطان".

مصدر الصورة
Eric Lafforgue/Art in All of Us/Getty Images

في الوقت الحالي يعتمد إنتاج وتوزيع مرهم كيليصن على تبرعات من الشركات الكبيرة ومنظمات دولية غير حكومية للاستمرار في إيصال المرهم للمحتاجين إليه. وتساهم الحكومة التنزانية في هذا الجهد بتوفير الطواقم العاملة.

ويمثل مرهم كيليصن جزءاً من إدراك متنام في أفريقيا لمخاطر الشمس. ففي عام 2015 قالت الحكومة في كينيا المجاورة لتنزانيا إنها ستنفق نحو 1.5 مليون دولار لتزويد أكثر من ثلاثة ألاف مصاب بالمهق بالمراهم الواقية من الشمس. وفي وقت مبكر من العام الماضي قيل إن شركة في السنغال أنتجت خمسة ألاف قارورة كعينات من مرهم جديد واقي للشمس.

لكن هناك صعوبة في إنتاج كميات كافية من هذا المرهم، وكذلك صعوبة في إيصالها لمحتاجيها. لكن حتى لو كانت المراهم الواقية من الشمس متوفرة في أفريقيا بأسعار معقولة، فإن بعض المرضى قد لا يستعملوه.

أحد هؤلاء هو إسماعيل علي، من مدينة دار السلام، والذي يفضل زيارة معالج تقليدي، معتقداً أن الزيوت والمراهم المصنوعة من النباتات هي الوسيلة المثلى لمكافحة سرطان الجلد.

وترى فيكي نتيتيما، التي تدير جميعة "تحت شمس واحدة" في تنزانيا، أن هناك حلقة مفرغة أخرى فيما يتعلق بسرطان الجلد، وتقول: "من السخرية أن الأطباء المشعوذين يلاحقونهم وسيستمروا في الذهاب إليهم بحثاً عن علاج للسرطان".

ويصر الرجل الذي يعالج علي، واسمه عبد العزيز، على أن هناك فرقا كبيرا بين الأدوية التقليدية وبين الشعوذة. ويستخدم علي المنتجات التي يقدمها له عبدالعزيز لعلاج الضرر الذي سببته الشمس لجلده ويقول: "الأدوية جيدة. عندما أستعملها تجف الإلتهابات والجروح في غضون أسبوع".

لكن سوتو فالديز تصر على أن الوقاية دائماً خير من العلاج. وتأمل أن تبدأ الحكومة التنزانية بشراء كيليصن لكي يصل هذا المرهم إلى جميع أنحاء البلاد. وتخطط فالديز أيضاً لنقل "كيليصن" إلى بلد أفريقي آخر هو مالاوي وأن تنتج مرهماً أكثر فعالية.

 


0 2540 05/05/2017 - 11:13:17 PM طباعة

أضف تعليق

أحدث الفيديوهات
اعلانات
زوار الموقع
إستطلاع الرأى

Loading...

facebook
تفضيلات القُراء
-
جديد الصور