الثلاثاء 16 يناير 2018 - 09:52 ص

التهميش والمقاومة: محنة شعب النوبة

صلاح سعيد جمين

صلاح سعيد جمين


التهميش والمقاومة: محنة شعب النوبة

صلاح سعيد جمين

gamainss@gmail.com

نشرت هذه الورقة باللغة الإنجليزية في مجلة العلوم السياسية الجديدة، المجلد 23، العدد 1، 2001

New Political Science, Volume 23, Number 1, 2001

Marginalization and Resistance: The Plight of the Nuba People

التهميش والمقاومة: محنة شعب النوبة

هنود ابيا كدوف

ماليزيا الجامعة الإسلامية العالمية

ترجمة صلاح سعيد جمين

ملخص: هذه الورقة تصف جزئياً ارتفاع الوعي السياسي لشعب النوبة في السودان. على مر التاريخ السياسي السوداني الحديث وقع النوبة أولاً ضحايا للقوى الاستعمارية، وفي وقت لاحق وقعوا ضحايا للنخبة السياسية السودانية الشمالية.

الصراع الحالي في جبال النوبة هو رفض شعب النوبة الخضوع لأنواع مختلفة من الإكراه قامت بها الحكومة السودانية لضمان الهيمنة السياسية، وهذا قد ولد حتماً عداوات ضد سياسات الهيمنة. وبالتالي، فإن في صلب النزاع عوامل مثل التهميش السياسي والحرمان الاقتصادي والتلقين الاجتماعي والثقافي. تقدم هنا بعض الأمثلة لشرح كيفية تلاعب النخبة السياسية الشمالية بالدين والثقافة العربية في تعزيز (ما تعتقد أنه) تفوقها العرقي وكذلك السياسي.

المقدمة

تتناول هذه الورقة التطورات الأخيرة في التاريخ السياسي السوداني الحديث. والمقال هو محاولة لمناقشة هذا من حيث عمليتين متناقضين: عملية "الهيمنة" من جانب "المركز" ممثلة في النخبة السياسية السودانية، وعملية أخرى "المقاومة" التي طرحتها قطاعات أكبر من المجتمع والمشار إليها بشكل متوافق على أنها "طرفية". وقد استثمرت العديد من العوامل السياسية والاقتصادية والدينية والاجتماعية والثقافية في هذا الصراع والمواجهة. على الرغم من أن كل هذه العوامل هي ذات أهمية رئيسة في فهم الوضع العام، فإن الورقة تؤكد على دور الدين في تزويد النخبة الشمالية بأساسها الإيديولوجي. وهذا هو الحال منذ أن بدأت النخبة السياسية التلاعب بالدين بشكل منظم لتحقيق أهداف سياسية وإحكام قبضتها على السلطة. يمكنني استخدام مصطلح "السلطة" هنا بالمعنى الذي استخدمه ماكس ويبر "بأنها فرصة موجودة ضمن علاقة اجتماعية تسمح لأحد لإنفاذ إرادته حتى في وجود "مقاومة" وبغض النظر عن الأساس الذي تقوم علية هذه الفرصة."1

____________________________________

* قدمت نسخة معدلة من هذه الورقة في مؤتمر حول "الدين والصراع في السودان" في جامعة ييل، 6 - 8 مايو 1999. ساعدني العديد من الأشخاص في نواح كثيرة في كتابة هذه الورقة وأنا أشكرهم جميعاً. ويمتد امتناني بشكل خاص لمحمد محمود وريتشارد غراي للتعليقات الثاقبة على المشروع السابق. كما أنني مدين لحسن أحمد إبراهيم ومحمود قلندر على تفضلهم بقراءة المسودة الأولى من هذه الورقة. إن أي قصور في الورقة هو مسؤوليتي الخاصة.

1 Max Weber, Basic Concepts in Sociology (Secaucus, NJ: Citadel Press, 1972), p. 117; see also Bertrand Russell, Power (London: Allen & Anwin, 1946). Quoted in W. Friedmann, An IntroductiontoWorldPolitics (London andNew York: Macmillan and St.Martin’sPress, 1957),

ISSN0739-3148 print/ISSN1469-9931 online/01/010045–19 Ó 2001 Caucus for a New Political Science

DOI: 10.1080/07393140120030331

سيكون محور اهتمامي في التعامل مع العمليات المذكورة أعلاه هو شعب النوبة في جنوب كردفان. في ظل السياق العدائي في السودان، فإن "السلطة" و "الدين" يتشابكان بشكل وثيق، وهما يمثلان جوانب ملموسة وملحة للصراع الذي أثر في حياة الناس اليومية وتفاعلاتهم. وتتناول الورقة مشروع النخبة السياسية الشمالية والأركسة (التنسيق) الدؤوبة للتلقين الثقافي في مواجهة شعب النوبة. علاوة على ذلك، تؤكد الورقة على الخلاف الإجتماعي الناجم عن هذا الفرض الثقافي، وتقارنه بالحالة السلمية السابقة نسبياً.2 من ناحية أخرى، تقدم الورقة كذلك أمثلة للتدليل على الوضع المؤسف لأولئك النوبة الذين انتقلوا إلى المراكز الحضرية، وكأنما اسروا في متاهة قوانين الشريعة الإسلامية.

الطبيعة متعددة الأوجه للنزاع في جبال النوبة

تحتل جبال النوبة موقعاً سياسياً مهماً كمنطقة وسيطة بين ثقافتين متميزتين في شمال وجنوب السودان. سكان جبال النوبة هم مزيج من مجموعات عرقية مختلفة. السكان الأصليون، النوبة، هم إلى حد بعيد المجموعة الأكثر هيمنة. كما تعيش جماعات عرقية ومجتمعات أخرى من جنوب السودان، والفلاتة من غرب أفريقيا، هذا بالإضافة إلى البقارة، الذين يعيشون إلى جانب النوبة في المنطقة.3 هناك عدد كبير من التجار الذين يشار إليهم عادة باسم الجلابة، وهم من أصول عربية من شمال السودان، ويوجدون في المدن والقرى الكبيرة. وإلى جانب السكان المذكورين أعلاه، ينتقل المهاجرون المؤقتون إلى المنطقة في ذرى موسمية معينة. ويشمل ذلك أصحاب المزارع الآلية واسعة النطاق وعمالهم. وفي موسم الجفاف، يبدأ رعاة الماشية (الأبقار والإبل) الآخرون من خارج المنطقة بالانتقال إلى اتجاهات مختلفة عبر السهول بحثاً عن المياه والمراعي. بعض هؤلاء الرعاة، مثل الأمبورورو، يأتون من أقصى الحدود السودانية الغربية. وتتبع هذه المجموعات المختلفة أنماطاً تقليدية مختلفة من الحياة الاقتصادية. وهكذا، في حين أن النوبة هم أساساً مزارعين مع عدد قليل نسبياً من الحيوانات، نجد أن البقارة أصحاب ماشية رعوية. إن غالبية الجنوبيين والفلاتة يعملون إما كعمال أجرة أو مزارعي بساتين، هذا بالإضافة إلى أولئك الذين هم هناك على أساس مؤقت لأغراض الاستثمار في الزراعة الآلية أو العمل كموظفين حكوميين. ومن الواضح أن البنية السكانية في المنطقة تستدعي استنتاج مفاده أنه إذا وصف السودان على نحو ملائم بأنه "صورة مصغرة لأفريقيا"4

____________________________________

 

2 لا يمكن موازاة ذلك إلا مع ما حدث خلال الحكم التركي المصري والمهدية حيث أجبرت غارات العبيد والجيوش العربية الغازية معظم النوبة على التراجع إلى الجبال.

See Ann Lesch, The Sudan: Contested Identities (Bloomington and Indianapolis: Indiana University Press, 1998), p. 27.

3 Sir Harold Alfred MacMichael, The Tribes of Northern and Central Kordofan (London: Cass, 1967), pp. 1, 4, 88

4 Muddathir ‘Abd Al-Rahim, Imperialism and Nationalism in the Sudan: A Study in Constitutional and Political Development 1899–1956 (Oxford: Clarendon Press, 1969), p. vii

 

 

 

 

وكردفان على أنها "صورة مصغرة من السودان"5، يمكن اعتبار جبال النوبة أيضا مثالاً لعمليات نقل دم ثقافي من المجموعات العرقية المختلفة في السودان. وهي بالفعل منطقة، كما وصفها سافيدرا، أظهرت فيها مجموعات إثنية مختلفة، وبشكل ملحوظ، المصالحة المجتمعية في السياسة السودانية الحديثة.6 غير أن التحول المتقطع للولاءات على المستويات الخاصة والمحلية والمركزية يميل دائما إلى كسر هذه المصالحة كلما كان هناك تضارب في مصالح أي من الطرفين.

هذه المجموعة من التركيبة السكانية لديها مشاكلها حيث أنها تسهم بفعالية في تعزيز الصراعات في المنطقة. ولما كان هناك، بكل تأكيد، بعض احتشاد للأنشطة الاقتصادية، فإن تضارب المصالح على الموارد الطبيعية أمر لا مفر منه. إضافة إلى ذلك، فإن سياسات الدولة غير المتوازنة التي أدت إلى ظهور تمايز طبقي ملحوظ يستند إلى "تقسيم اجتماعي – اقتصادي متزايد".7

ومع ذلك، فإن حالة الصراع في جبال النوبة لم تكن أبدا ظاهرة جديدة. كانت الأعمال العدائية موجودة على غرار أسلوب هوبزيان، تقريباً، من زمن سحيق. وتختلف العوامل التي تؤدي إلى مثل هذه الصراعات إلى حد أن الشدة والطبيعة والأسباب تميل إلى الاختلاف من وقت لآخر. ويمكن تصنيف بعض الأنشطة المؤدية إلى النزاع على أنها متكررة. ومع ذلك، فإن الصراعات التي اندلعت خلال الحكم التركي المصري، والمهدية، والعقود الثلاثة الأولى من نظام الحكم الثنائي تتألف أساساً من غارات من قبل جماعات معادية مجاورة منظمة للحصول على الماشية والعبيد أو من قبل القوات الحكومية في حالات التمرد. ويمكن الآن أن تكون أسباب مداهمة قرى النوبة متباينة نوعياً عما كان موجوداً في حقبة ما قبل الاستقلال. ومع ذلك، ينبغي الإشارة إلى أن الغارات نفسها التي شنتها قوات الدفاع الشعبي (الميليشيات العرقية سابقاً)، جنباً إلى جنب مع القوات الحكومية، استمرت في التأثير الكامل في منطقة النوبة، ولا سيما بعد عام 1985.

وتتراوح العوامل الحديثة المؤدية إلى الصراع بين التهميش السياسي والتشريد القسري للنوبة إلى ما يسمى "بمعسكرات السلام"، وحشية قوات الأمن الحكومية وعمليات الاختطاف والقتل المتفشية التي ترتكبها الميليشيات الموالية للحكومة، والتي تطورت لاحقاً إلى قوات الدفاع الشعبي المشهورة بسوء السمعة. ولهذه يمكن للمرء أن يضيف عوامل التحيز الديني والكراهية الإثنية والحرب الأهلية. وفيما يتعلق بالموارد المخصصة، يمكن الإشارة إلى النقص في الأراضي بوصفه عاملاً آخر يولد الصراعات. ويرجع ذلك إلى الضغوط التي تنشأ على الأرض نتيجة لتجاوز المزارع الآلية على مناطق الرعي وحيازات الأراضي التقليدية. وقد يؤدي عدم التوزيع العادل للفرص الاقتصادية في هذه الأراضي بالنسبة للمزارعين المحليين إلى إضافة بعد آخر إلى الصراع. وعلى صعيد آخر، فإن غياب الخدمات الاجتماعية، والتدمير التام للنظام التعليمي، وانعدام الأمن للأطراف والممتلكات، أسهم أيضاً في تكثيف التوترات في المنطقة.

____________________________________

5 Martha Saavedra, “Ethnicity, Resources and the Central State: Politics in the Nuba Mountains, 1950 to the 1990s,” in Endre Stiansen and Michael Kevane (eds), KordofanInvaded: Peripheral Incorporationand Social Transformation in Islamic Africa (Leiden: Brill, 1998), p. 223.

6 المرجع نفسه، ص. 223.

7 المرجع نفسه، ص. 228.

 

سياسة التهميش خلال الفترة الاستعمارية

بإستثناء بعض التحركات السياسية غير المهمة من قبل الكتلة السوداء خلال عام 1938 و 1952، يبدو أن النوبة قد تم تغييبهم كلياً قبل الإستقلال. ويمكن القول أيضاً أن القوى الإستعمارية والقوميين الشماليين كانوا في ذلك الوقت وصائيين في موقفهم نحو النوبة وغير مستعدين لإيلاء الاهتمام لدورهم السياسي. ولم يكن هناك عضواً واحداً من النوبة في مؤتمر الخريجين عندما أنشئ في عام 1938. وسواء كان ذلك يعكس الافتقار إلى التعليم بين النوبة أو ما إذا كان عملاً متعمداً بقصد الاستبعاد، فإنه في كلتا الحالتين يعكس الإهمال الذي تعرض له النوبة. وفقاً لجاوين بيل، فإن الأحداث الصاخبة في الثلاثينيات، تحديداً، اختتام المعاهدة الأنجليزية – المصرية في 1936، وتكوين مؤتمر الخريجين في عام 1938، لم تبدو مهمة ومرت دون أن يلحظها أحد من النوبة حيث تم إغلاق منطقتهم تماماً من أي أحداث تجري في أجزاء أخرى من البلاد.8

بغض النظر عن حقيقة أن النوبة قد نظموا عدة ثورات ضد الإدارة الاستعمارية9، وعلى الرغم من خدمتهم العسكرية المتميزة في قوات الدفاع السودانية10، فإن النوبة قد ظلوا مغيبين عن المشهد السياسي المبكر للبلاد. إن مقاومة النوبة قد فسرت بجلاء الموقف المناوئ الذي كشف عنه المستعمرون ضدهم. ولم تعلن منطقتهم فقط "مقاطعة مغلقة"11، بل أن تعليمهم قد ترك تماماً في أيدي المبشرين. ولا يطعن أحد في حقيقة أن "تخريج جيل متعلم من النوبة قد كان شرطا أساسياً لمشاركتهم في التجارة والسياسة"12، إلا أن المبشرين لم يحرصوا على تزويد النوبة بنوع التعليم القادر على وضعهم على قدم المساواة مع بقية البلد. فبإنعدام التعليم وقلة التعرض للعالم الخارجي، لم يكن من المتوقع بالطبع أن يشارك النوبة على قدم المساواة في أي من الأحداث السياسية المهمة المؤدية إلى استقلال البلد. فعلى سبيل المثال، عندما أنشئ مجلس استشاري لشمال السودان في عام 1943 من أجل "إعطاء السودانيين الشماليين نصيب محدود في صنع السياسات"13 لم يشمل ذلك ممثلاً للنوبة.

____________________________________

 

8 Sir Gawain Bell, “The Growth of Sudanese Nationalism: Devolution and the Road to Independence,” in Deborah Lavin, (ed.), The Condominium Remembered: Proceedings of the Durham Sudan Historical Records Conference 1982, Vol. I: The Making of the Sudanese State (University of Durham, 1991), p. 147. Some regional pressure groups such as the Black Bloc (al-Kutla al-Sawda’) in 1938 and 1953 that emerged to voice concerns and fight against the hegemony of the northern elite had little impact on the development of Nuba political organization.

9 See Gerd Bauman, National Integration and Local Integrity: The Miri of the Nuba Mountains in the Sudan (Oxford: Clarendon Press, 1987), p. 12.

10 في الإبلاغ عن أعمال مقاتلي النوبة في الحملات الإريترية والحبشية، 1940- 1942، يقول العقيد السير Guy Campbell أنه في حرارة المعركة، دخل جنود النوبة "مثل جرعة من الأملاح ولم يوقفهم شيء، وكانت المشكلة الوحيدة هي إعادتهم مرة أخرى." Deborah Lavin (ed.), The Condominium Remembered, p. 124.

11 انظر بوجه عام مرسوم جوازات السفر والتصاريح لعام 1922.

12 Gerd Bauman، المرجع السابق، صفحة. 12.

13 المرجع نفسه، 148؛ انظر أيضاً Muddathir ‘Abd Al-Rahim، المرجع السابق، صفحة. 135. وما يليها.

 

وفي حجة زائفة، رأى الأمين المدني السير دوغلاس نيوبولد أنه كان كافياً، برغم الصعوبة، أن يمثل النوبة في مجلس مقاطعة كردفان.14 هذه الازدواجية في السياسة البريطانية تجاه النوبة قد انتقدت (ربما مداهنةً) على نحو مناسب من قبل مؤتمر الخريجين،15 الذي أشار إلى أنه على الرغم من أنه ليس من الضروري لوحدة البلد أن تكون جميع أجزائه على نفس مستوى التنمية، ومع ذلك، فإن استبعاد جبال النوبة من المشاركة في المجلس الاستشاري من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من الانقسامات وعدم الثقة.

حتى منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، لم يحظ النوبة بأي اهتمام من قبل المستعمر يمكن أن يطلق عليه اسم تنمية من أجل تحسين ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية أو التعليمية. وبدلاً من ذلك، كان الشاغل الرئيسي للإدارة البريطانية خلال تلك الفترة موجهاً إلى ترويض محاربي النوبة شديدي المراس الذين استمروا في طرح مقاومة شرسة في مواجهة السلطة الاستعمارية.

وقد كشفت السياسة البريطانية المتعلقة بإدارة النوبة، التي اتسمت بها مذكرة غيلان الشهيرة،16 بوضوح معضلة هذه السياسة ومآزقها. فمن ناحية، كان هناك شعور بأنه يجب القيام بشيء من أجل تنمية النوبة. ومن ناحية أخرى، وبما أن ذلك لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التعليم، فإنه لا يمكن تنفيذه لأن ذلك سيؤدي حتماً إلى تعريب وأسلمة النوبة، وفي نهاية المطاف إلى خلق ما يسميه جيلان "عربي من الدرجة الثالثة".17 برغم أن الأمر قد كان يبدو خيالياً، إلا أن محاولة ايجاد وسيلة للخروج من هذا المأزق وتأمين فرصة "... لمجتمعات النوبة للمشاركة الإقليمية دون اغتراب ثقافي، وتأمين التكامل الذي لن يدمر على الفور نزاهتهم العرقية والمحلية"18 كان يمثل صداعاً للإدارة المسئولة حينذاك. ومع مرور الوقت، جاء السعي إلى الاندماج في شكل سياسة ربط النوبة إلى الشمال. وكانت الفكرة هي أن النوبة بذلك سوف يتمثلون وبشكل نهائي طريقة التفكير الاجتماعي الشمالي مع مطالب سياسية قليلة خاصة بهم. ومن المؤكد أن هذه السياسة كانت شكلاً من أشكال الخيانة من جانب الإدارة البريطانية.19

_________________________

14 PRO-FO 403/468, despatch no. 33951, extract from broadcast on the Advisory Council for the Northern Sudan by Sir Douglas Newbold, KBE, on January 14, 1944, p. 102.

15 PRO-FO 403/468, despatch no. 33951, extract from a memorandum by the President, Graduate’s Congress, Omdurman to His Excellency the Governor-General, Khartoum, 1944, p. 100.

16 J. A. Gillan, Some Aspects of Nuba Administration (Khatroum: Sudan Governmen Memoranda, no. 1, 1931).

17 المرجع نفسه، ص. 35. والواقع أن هذا النوع من السياسات هو الذي خلق الآن من النوباوي مواطناً من الدرجة الثانية.

18 Baumann، المرجع السابق، صفحة. 13.

19 استمرت سياسة خيانة النوبة للأسف حتى الوقت الحاضر. بالكاد أخذ المجتمع الدولي إشعاراً بالإبادة الجماعية للنوبة وفشلت الأمم المتحدة حتى الآن في توسيع نطاق عملياتها الغذائية "شريان الحياة" إلى جبال النوبة. ولقد لخص ميل ميدلتون الوضع قائلا: "نظراً إلى أن نظام الجبهة القومية الإسلامية في السودان يهرب بشكل فاضح من منع كل المساعدات الخارجية لشعب جبال النوبة، لأكثر من عقد من الزمن، مع قلة الاحتجاج في قاعات الخطب الدبلوماسية في المنابر الدولية، فإن هذا الهروب هو شهادة نظام ، وعلى الرغم من بلاغة خطابه، يبدي ازدراءً ساخراً لحقوق الأبرياء ". نفير: النشرة الإخبارية لتضامن أبناء جبال النوبة في الخارج 3: 5 (1999)، صفحة. 15.

ومن الواضح أن البريطانيين كانوا مشغولين في توجيه سياستهم المتمثلة في حماية الجنوب من الشمال وإهمال النوبة ليعيشوا مصيرهم بمفردهم. فهم يفترضون بشكل خاطئ أن الاندماج بين النوبة، على الرغم من أنهم مشابهون ثقافياً للجنوب، والشمال يجري بالفعل دون أي نزاعات خطيرة.20 ثبت أن هذه النقطة كانت كارثية خاصة فيما يتعلق بالتنمية السياسية للنوبة.

ومع ذلك، أصبح الاغتراب النهائي للنوبة عن السياسة السودانية السائدة واضحاً لأن الشمال بالتأكيد لم يعتبر النوبة شركاء متساوين في تشكيل المستقبل السياسي للبلاد بعد الاستقلال. وعلى نحو غير حكيم يبدو أن السياسيين الشماليين اتبعوا السياسة البريطانية التي استندت كلياً إلى الفكرة العامة "فرق تسد".21 ويمكن القول إنه على الرغم من أن السياسة البريطانية لم تهدف إلى إفادة أي مجتمع سوداني على وجه الخصوص (باستثناء بعض الزعماء العرقيين والدينيين)، فإن النوبة كانوا هم الأكثر حرماناً من الجميع. ولم تعلن منطقة جبال النوبة "مغلقة" في مواجهة أي اتصال خارجي فحسب، بل لم يسمح للناس أنفسهم بالسفر خارج مناطقهم. وعلى النقيض من ذلك، واصلت بقية المناطق في الشمال تطورها تعليمياً وسياسياً واقتصادياً. ومن ثم فإن التفاوت في توزيع الثروة والتعليم والتنمية الاقتصادية، والذى أدى في نهاية المطاف إلى الصراع الحالي، كان أمراً لا مفر منه.22 وكما أشار سافيدرا:

وضمنت هذه السياسات أنه بحلول وقت الحكم الذاتي والاستقلال، كان النوبة غير مهيئين سياسياً واقتصادياً، بالمقارنة مع جيرانهم العرب، وأن المنطقة ككل تخلفت عن تلك الواقعة في الشمال والشرق.23

وبتجنب خلق أي شكل من أشكال الكوادر الإدارية من النوبة، حتى في أدنى مستوى لها، للمشاركة في الحياة السياسية في البلاد، عززت الإدارة الاستعمارية عمداً التخلف السياسي للنوبة.24

ومما لا شك فيه أن هناك بعض الفوائد التي اكتسبها النوبة في أن يصبحوا جزءً من شمال السودان. ولكن الحزمة كانت هزيلة جداً لتضمن أي مقارنات مفيدة. لقد تعلموا اللغة العربية، وأصبح عدداً كبيراً منهم في نهاية المطاف مسلمين ذوي مشاكل أقل نسبياً في التعايش مع الشمال المعرب. ومع ذلك، فإن أخطر عيب في ربط النوبة بالشمال، كما هو مبين، هو تركهم يتطورون بمفردهم دون مساعدة، كما لو كانوا متساوين مع الشمال الأكثر تماسكاً والمتقدم سياسياً.

________________________________________

20 See Gawain Bell, “The Growth of Sudanese Nationalism,” op. cit., p. 150.

21 Muddathir, Imperialism and Nationalism, op. cit., p. 143.

22 أرسل معظم ممثلي جبال النوبة في البرلمان السوداني الأول في عام 1954، ولا سيما الجزء الجنوبي من الجبال، من الشمال لتمثيل دوائر النوبة هذه. واستمرت هذه الممارسة لما يقرب من عقد من الزمان بعد استقلال البلد.

23 Saavedra, op. cit., p. 225.

24 See Lesch, op. cit., p. 33. See also G. N. Sanderson, “ The Ghost of Adam Smith,” in M. W. Daly (ed.), Modernization in the Sudan (New York: Lilian Barber, 1985), pp. 106–110, 115–116.

التهميش في إطار الحكومات الوطنية

ازداد التهميش الذي واجهه النوبة خلال فترة الحكم الثنائي حدة بعد الاستقلال مع نقل السلطة إلى النخبة السياسية الشمالية. غير أنه ينبغي ملاحظة أن شعب النوبة لم يواجه هذا الشعور بالتهميش وحده، بل كان أمراً مستشعراً على نحو مماثل وحاد من قبل المستعربين السودانيين من اهل الشمال أنفسهم فيما يخص علاقتهم بما يسمى بالدول العربية الشقيقة.25 وخوفاً من وصفهم بأنهم أفارقة، ولكي لا يعزلوا عن العالم العربي، كان رد فعل النخبة السياسية الشمالية هو التشبث بعناد بمفاهيم العروبة والإسلام كمصادر للهوية. ومن ثم، فإن كلا الطرفان، وهما السودانيون اللذين يدعون الإفريقية كأساس وعلى النقيض منهم أولئك الذين يدافعون عن العروبة، كان لهما بالتالي بعض التجارب المريرة التي ينبغي التأكيد عليها. وقد أدى الشعور بالاغتراب بين النخبة الشمالية المستعربة من السودانيين والسودانيين الأفارقة إلى اندلاع الحرب الأهلية بين الجنوب والشمال عشية الاستقلال. وعندما شبت الحرب الأهلية مرة أخرى (بعد انهيار اتفاق أديس أبابا للسلام) في عام 1983، فإن الوضع كان قد حان لكي يلعب النوبة دوراً نشطاً فيه.

وبحلول منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، "تفاقمت التوترات المستمرة بين النوبة والقبائل العربية حول حقوق المياه والرعي بسبب الجفاف وبسبب نقل ملكية الأراضي إلى مشاريع زراعية ميكانيكية خاصة، الأمر الذي أجبر الرعاة العرب على الانتقال إلى التلال التي يسكنها النوبة".26

وكان الخط الرسمي من جانب الحكومات، حتى وقت قريب،27 هو رفض الاعتراف بوجود أي مظالم تؤدي إلى الصراع والمجاعة في جبال النوبة. وكان هذا الموقف المراوغ أساسياً في سياسة الحكومة، ولسوء الحظ دعمه بعض أبناء النوبة.28 عندما ننظر إلى تاريخ التوترات والصراعات بين النوبة والجماعات العرقية المجاورة لها نجد أن جميع المجتمعات التي تعيش في المنطقة قد طورت ديناميات عملية للتعايش. لقد وضعوا على مدى سنوات آليات لحل النزاعات وتمكنوا من العيش معاً في سلام نسبي لأجيال عديدة. غير أن تدخل "المركز" لم يدمر فقط حالة السلام والإقامة النسبية، ولكنه وضع أيضاً وبشكل تدريجي الأساس للتهميش والتمييز العنصري ضد النوبة على الصعيدين الوطني والإقليمي. إن سياسة توزيع الأراضي في المزارع الآلية، التي تستثني النوبة وتؤدي إلى حرمانهم الاقتصادي، وعمليات الأسلمة والتعريب العشوائية التي أثبتت أنها ضارة بثقافات النوبة هي أحد جوانب هذا التهميش. وقد تظهر أمثلة أخرى سياسة التمييز العنصري.

______________________________________

25 See Ali A.Mazrui, “The Multiple Marginality of the Sudan,” in Yusuf Fadl Hasan (ed.), Sudan in Africa (Khartoum: Khartoum University Press, 1985), pp. 240–454; Ann Lesch, op. cit., pp. 212–213.

26 Ann Lesch، المرجع السابق، صفحة. 91.

27 لم يحدث تطور ملحوظ في رأي الحكومة إلا مؤخرا في أواخر عام 1999. وفي اجتماع بين الرئيس البشير والصادق المهدي، زعيم المعارضة، في جيبوتي اعترف كلاهما رسمياً بوجود مشكلة للنوبة.

28 دافع بعض مثقفي النوبة، الذين شاركوا في الحكومة، عن سياسة النظام الإسلامي في جبال النوبة، منكرين انتهاكات حقوق الإنسان ووجود المجاعة في المنطقة. هذه التصريحات قد أضرت بقضية النوبة، كما يعتقد المجتمع الدولي ذلك. وقد حدث قدر كبير من المعاناة قبل أن يدرك المجتمع الدولي خطورة حالة حقوق الإنسان وحجم المجاعة في المنطقة.

ويتعلق المثال الأول بمرسوم أصدره الرئيس نميري يأمر بترحيل جميع الذين لا يحملون بطاقات هوية ودون وظائف معروفة لمناطقهم الإثنية أو بإبعادهم إلى المشاريع الزاعية للعمل القسري. والسبب هو تخليص العاصمة، كما يدعى، من ارتفاع مزمن في معدلات الجريمة. وكانت هذه العملية معروفة شعبياً باسم "الكشة"، في إشارة إلى "تطهير" و"تتظيف" العاصمة. وكان النوبة، وجميع أولئك الذين لديهم سمات أفريقية واضحة، الأهداف الرئيسة. وتم نشر الجيش في شوارع الخرطوم لتنفيذ المرسوم. وبقدر ما كانت العملية برمتها تمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان، ومن ثم تنتهك الحقوق الأساسية لجميع السودانيين في ممارسة حقهم في حرية التنقل، فإن الكشة قد نفذت بطريقة وحشية ومهينة وغير إنسانية. وتم القبض على الذين قبض عليهم وأرسلوا إما إلى ملاعب كرة القدم أو مخيمات أعدت خصيصاً. ومن بين المعتقلين طلاب جامعيين ومسؤولين حكوميين وعضو برلمان من دارفور. وأدى ذلك إلى استياء عام حتى داخل دوائر الجيش ضد هذه التدابير القائمة على أساس عنصري، واضطرت الحكومة إلى وقفها في النهاية. وكان هذا التدبير يذكرنا بالسياسة الاستعمارية البريطانية في العشرينيات عندما منع النوبة من السفر إلى الشمال دون تصريح.

حدث آخر يظهر أن سياسة الحكومة المرتكزة على"العنصرية" ضد النوبة قد أصبحت واضحة بوحشية خلال تولي الدكتور الجزولي دفع الله رئاسة الوزراء للحكومة الانتقالية بعد الانتفاضة الشعبية عام 1985 التي أطاحت بنظام الرئيس نيميري. في سبتمبر من عام 1985، أعلنت الحكومة أنها أحبطت محاولة انقلاب يزعم أنها بإيحاء من السياسي المخضرم الأب فيليب عباس غبوش وبقيادة النوبة وعناصر جنوبية. ووصف رئيس الوزراء الانقلاب المزعوم بأنه عمل "عنصري" موجه ضد البلاد، وناشد الشعب أن ينهض للدفاع عن "تراثه الثقافي" المهدد. وكان من المدهش أن رئيس الوزراء لا يبدو أنه يدرج النوبة في التراث الثقافي للبلاد سواء بحكم تراثهم الأفريقي أو بحكم تراثهم الإسلامي، نظراً إلى أن الغالبية العظمى من النوبة تعتنق الإسلام. وقد احتجز الأب فيليب غبوش وعدد من السياسيين النوبة وأطلق سراحهم بعد استجواب مكثف. وحكم على آخرين، ولا سيما من هم في الخدمة العسكرية الفعلية، بالسجن لمدد مختلفة. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن محاولات الانقلابات التي قامت بها مجموعات أخرى من غير الشماليين المستعربين عادة ما توصف بأنها "عنصرية" و"إقليمية".

ويجب أن يصبح واضحاً الآن كيف أن تصوير أو توصيف النوبة "كعنصريين" و "طابور خامس" و "متمردين" و "كفار" قد استخدمت كجزء من استراتيجية شاملة. وتكمن خطورة هذا النهج في أن المصطلحات استخدمت كجزء من خطاب يهدف إلى قطع النوبة، وخاصة نشطاءهم السياسيين، عن التيار العام للسياسة السودانية. إن اللغة المستخدمة في وصف النوبة، وخاصة مصطلح "كافر" الذي يفضله النظام الإسلامي للبشير، يهدف إلى تعميق تهميش النوبة وإضفاء الصبغة الشرعية على إبادتهم الجماعية ودمار أراضيهم.

جوانب مقاومة النوبة: عصر ما قبل الحكم الثنائي

وكما أشير، فإن التاريخ المبكر للنوبة كان تقريباً مليئاً بالحروب المستمرة. العرب الغزاة والغارات التي قام بها النظام التركي – المصري وبعض الحملات التاديبية من قبل المهديين نجحت في دفع معظم النوبة إلى تجاويف الجبال. لقد استمرت الحروب بين العرب والنوبة، وبين النوبة أنفسهم، لعدة قرون. لقد بلغ الأمر وضعاً يمكن تحمله فقط في الربع الأول من القرن العشرين نتيجة لسياسة باكس بريتانيكا.29

________________________________________

29 See generally S. F. Nadel, The Nuba: An AnthropologicalStudy of the Hill Tribes of Kordofan (London: Oxford University Press, 1947).

ومع ذلك، لم يتم إخضاع النوبة تماماً، باستثناء مجموعات قليلة، في ظل الحكم التركي - المصري أو تحت المهدويين. في معظم الحالات ترك النوبة، إلى حد كبير، بمفردهم.

خلال الحكم الثنائي

ويشير عدد الانتفاضات التي وقعت في منطقة جبال النوبة ضد الحكم الثنائي (الإنجليزي – المصري) إلى أن المقاومة كانت أقوى في جبال النوبة مما كانت عليه في أي جزء آخر من البلاد. ووفقاً لجيرد بومان، فإن الإخضاع السياسي للنوبة "ثبت أنها مهمة صعبة للغاية في مواجهة ما لا يقل عن ثلاثين تمرد محلي متميز في العقود الثلاثة الأولى من سلطة الحكم الأنجليزي - المصري، وتعاقب لدوريات عقابية متطاولة على ما يبدو "30

وكان الأكثر شهرة من بين هذه الثورات تلك هي ثورة السلطان اجبنا (عجبنا) من قبيلة اما/ نيمانغ) والفكي علي الميراوي من كادوقلي. ومع ذلك، ينبغي الإشارة إلى أن ما كان يحدث بالفعل في الجبال كانت ثورات غير منظمة لجماعات فردية يقودها زعماء تقليديون، ومعظمهم من القادة الروحيين أيضاً. وكانت هذه الثورات تحد لسلطة الحكومة الجديدة أكثر من كونها عمل موحد من النوبة يهدف إلى معالجة مشكلاتهم السياسية. وكان هذا الوضع لا يختلف عما كان يحدث في الجنوب الذي وصفه دينق بالعبارات الآتية:

إن القادة الروحيين لحركة المقاومة يريدون فقط أ يترك شعبهم وحدهم في سلام ...، في حين أرادت الحكومة أن تخترق مجتمعهم وتؤكد سيطرتها. كان صراع هويات وثقافات وقيم جوهرية للسلطة. [حيث دخلت الحكومة الأجنبية] ... في مواجهة مباشرة مع ... سلطة القادة الأفارقة التقليديين.31

ولذلك، فإن الأهمية السياسية لهذه الثورات كانت محلية، مثل تلك التي كانت في الجنوب، بحيث لم يكن لها تأثيراً عملياً على صعود الحركة الوطنية في عشرينات القرن الماضي والتطورات التي أعقبت ذلك والتي أدت إلى إنشاء مؤتمر الخريجين. لكن النوبة لم يهدأوا واستمروا في التعبير عن عدم رضاهم السياسي بشكل أو بآخر. واتخذت مقاومتهم أشكالا مختلفة وأحياناً بلغت ذروتها في مواجهات مسلحة عنيفة مع السلطات.

المقاومة بعد الاستقلال

وكما ذكر آنفاً، فقد فشلت السلطة الاستعمارية في إعداد النوبة للمشاركة في إدارة البلاد بعد رحيلها مقارنةً بما حدث، وإن كان لا يذكر، في أجزاء أخرى من البلاد.32 وكان لهذا أثره السلبي على التنمية السياسية المستقبلية للنوبة. ولم يكن هناك اختلاف يذكر في السياسة التمييزية العامة ضد النوبة بعد الاستقلال.33

________________________________________

30 Baumann, op. cit., p. 11, emphasis added.

31 Francis M. Deng, War of Visions: Conict of Identities in the Sudan (Washington, DC:

32 وكان أحد مطالب الكتلة السوداء قبل الاستقلال أن يبقى مفوضو المنطقة في منطقة جبال النوبة إلى أن يصبح النوبة قادرين على الوقوف بمفردهم. انظر سافيدرا، المرجع السابق، صفحة.. 237

33 See generally Philip ‘Abbas Gaboush, “The Growth of Black Political Consciousness in Northern Sudan,” Africa Today 20:3 (1973), pp. 29–43.

إن مخاوف الكتلة السوداء من أن "المستعمرين الوطنيين" سيحلون محل المستعمرين الأجانب بعد الاستقلال قد تحققت بوحشية في وقت لاحق. ولا يمكن للمرء إلا أن يذكر استمرار دفع الدقنية المهينة بعد الاستقلال (ضريبة تفرض على الشخص) من قبل النوبة لما يقرب من عشر سنوات في حين أنها قد ألغيت في أجزاء أخرى من البلاد.

كانت انتفاضة أكتوبر 1964 ضد الجنرال عبود معلماً بارزاً في تطوير سياسة النوبة. شهدت الفترة التي أعقبت هذه الانتفاضة ولادة أول منظمة سياسية في جبال النوبة تعرف باسم الاتحاد العام لجبال النوبة. ولأول مرة كان هناك تمثيل حقيقي من النوبة في الجمعية الوطنية خلال الانتخابات البرلمانية 1965-1968.34. لقد كان ذلك انتصاراً قصير الأجل، من حيث التاريخ السياسي، مع انقسامات سرعان ما تحولت إلى هذه المنظمة الهشة القائمة على أساس عرقي، مما أدى إلى نشؤ فصيلين أحدهما بقيادة محمود حسيب والآخر بقيادة الأب فيليب غبوش.

نقطة تحول خطيرة أخرى في سياسة النوبة وقعت خلال الستة عشر (16) عاماً من حكم نظام نيميري. إن سياسات النظام كان من شأنها أن تعزز هيمنة الشماليين بالإضافة إلى تعميق الانقسامات الإثنية بين مختلف مجموعات النوبة وبين النوبة والبقارة.35 ولكن هذه التقوية للهيمنة الشمالية أدى إلى تصليد الهويات الإثنية المائعة للنوبة، حتى ذلك الحين، وتحويلها إلى هوية سياسية أكثر تشدداً.36 هكذا، وعلى الرغم من وعود نظام نيميري بالتحديث واللامركزية ،37 فقد كان النوبة خلال تلك الفترة أكثر الضحايا تأثراً. والسخرية المريرة هي أن شخصاً مثل الرئيس نيميري يحتاج إلى صور ليني ريفنستال لاكتشاف التخلف العاري لشعب النوبة. وتعرضت رؤية النوبة، التي اكتسبت زخماً خاصاً منذ انتفاضة أكتوبر 1964، إلى ضربة قاسية إذ نحيت قضاياهم (النوبة) إلى درجة أدني تحت نظام نيميري. فشل الأب فيليب غبوش، الذي لم يؤمن بدور المثقفين النوبة، في توحيد النوبة. وقد تحالف فصيل محمود حسيب، الذي كان معروفاً بتعاطفه مع الوطنيين الناصريين والعرب، مع نظام نميري. وقد أدى ذلك إلى إلحاق أضراراً جسيمة بقضية النوبة، مما أدى إلى تحطيم آمالهم في إقامة منصة سياسية مشتركة تمثلهم.

إن كل محاولات النشطاء من النوبة للفت انتباه الحكومة إلى الوضع البائس لشعب النوبة كانت تصور دائماً على أنها "عنصرية". وكان الإحباط السياسي لبعض نشطاء النوبة قد أعرب عنه بشكل كبير في عام 1975 عندما شاركوا في محاولة العقيد حسن حسين الانقلابية والتي تم رفضها على أنها "عنصرية".38

________________________________________

34 كانت المنظمات السياسية الأخرى القائمة على إثنيات النوبة مثل منظمة الزنوج الأحرار 1967 والجبهة المتحدة لتحرير السودان الأفريقي 1969 منظمات قصيرة الأجل.

35 Saavedra، المرجع السابق، صفحة. 241.

36 Ann Lesch ، المرجع السابق، صفحة. 25.؛ Saavedra، المرجع السابق، صفحة. 223.

37 Saavedra، المرجع السابق، صفحة. 241.

38 ومن أبرزهم عباس برشم وحماد الإحيمر والملازم عبدالرحمن شامبي وعبد الرحمن إدريس. وقيل إن برشم تعرض للتعذيب من قبل أبو القاسم محمد إبراهيم، نائب الرئيس، وأفادت التقارير أنه تعرض لسوء معاملة عنصرية، وأخبره ابو القاسم بأنه نوباوي ولا يصلح لحكم البلاد. ولقد اعدم هو وشامبي في وقت لاحق. وكان الإحيمر قد قتل في معركة الإذاعة وتمكن إدريس من الفرار من البلاد.

حتى محمود حسيب الذي كان حليفاً مؤكداً لنظام نميري قد خيب أمله وبدأ، حين كان حاكم كردفان، يضغط من أجل نقل حقيقي للسلطة؛ إلا أنه قد تم إسكاته بعد أن ندد به نميري سراً،39 وتبع ذلك نتائج متناقضة. فمن ناحية، هناك نوع من الرضا التام والانقطاع من جانب بعض المثقفين النوبة عن المشاركة في الأنشطة السياسية المفتوحة. وكان ذلك إما من مجرد اللامبالاة أو بدافع خيار البقاء بعيداً عن المتاعب. من ناحية أخرى، ذهب بعض المثقفين الشباب المحبطين إلى تحت الأرض وبدأوا بتشكيل جمعيات سرية للتعبير عن عدم رضاهم السياسي. وكانت تنظيمات مثل "كومولو" و "الصخر الأسود" و " نحن كادوقلي" نتائج مباشرة للإحباط السياسي لدى النوبة.40وبما أنه لم تكن هناك حلول فورية لمعالجة هذا الإحباط فإن الكثيرين من النوبة لم يترك لهم خيار سوى اختيار أسلوب عنيف للتعبير السياسي.

منظمة كومولو 41

يعود نشأة المنظمة إلى سبعينيات القرن المنصرم عندما توفرت القناعة لدى يوسف كوة مكي وعدد قليل آخر، ومعظمهم من طلاب الجامعات، بأن الوقت قد حان لإنشاء هيئة من شأنها أن تعيد الهوية الأفريقية للنوبة وتعالج على نحو كاف تطلعاتهم السياسية والثقافية.42 وقد بدأت كومولو كمجتمع سري في مدرسة تيللو الثانوية حيث كان يوسف كوة يقوم بالتدريس آنذاك. 43

ومن المسلم به أنه إلى جانب الحركة السياسية السابقة التي بدأها الاتحاد العام لجبال النوبة في الستينيات، لم يكن لأي منظمة تأثير عميق على الوعي السياسي للنوبة أكثر من حركة كومولو. وقد تمكنت خلال عهد النميري من التنافس والسيطرة على السياسة المحلية وحتى الفوز بمقعد في مجلس النواب الإقليمي من قبل زعيمها يوسف كوة. وقد أعطت أحداث الانتفاضة الشعبية عام 1985 فرصة أخرى لهذا الجمعية السرية، وهذه المرة في شكل حزب العمل السوداني الذي شكل حديثاً للتأثير في المشهد السياسي للنوبة، خاصة عندما أخذ جانب الحزب القومي السوداني. ويبدو أن الترسيم السياسي بين كومولو، ونحن كادوقلي، وحزب العمل السوداني كان في مرحلة ما غير واضح تماماً.

________________________________________

39 Saavedra، المرجع السابق. صفحة. 242.

40 لم يكن الإحباط في قطاعات أكبر في الشمال بسبب التهميش السياسي أمراً فريداً من نوعه بالنسبة إلى النوبة وحدهم؛ فمن بين المنظمات الإقليمية التي نشأت لتوضيح المظالم الإقليمية جبهة نهضة دارفور في الغرب، ومؤتمر البجا في الشرق، والاتحاد العام لجبال الإنقسنا والاتحاد العام للفونج في الجنوب الشرقي. وقد اجتمعت الهيئات الإقليمية في عام 1985 لتشكيل تضامن قوى الريف.

41 هناك بعض الجدل بشأن المعنى الدقيق لهذه الكلمة. وقد ألمح إلى أن المصطلح يعني "الشباب" بلغة ميري ولغة كادوقلي.

42 ’Izz al-Din Kuku, “ABrief Introduction to the History of Komolo,” Na.ir: The Newsletter of the Nuba Mountains, Sudan 3:4 (1998), p. 8. See also African Rights, Facing Genocide: The Nuba of Sudan (London: A Publication of African Rights, 1995), pp. 56, 100 ff.

43 لقد بدأت معظم هذه الجمعيات السياسية السرية في كادوقلي، وكانت مدرسة تيللو الثانوية هي المحور. ويجدر القول أن هذه الجمعيات استهدفت التلاميذ ولكنها كانت تميل إلى استبعاد بعض النوبة المتعلمين تعليماً جيداً.

كان إحياء الاتحاد العام لجبال النوبة44 للمرة الثانية بعد الإطاحة بالجنرال نميري في عام 1985 فلسفياً. وكان أحد أجندة أعماله العديدة، على غرار الموقف العام لكومولو ونحن كادوقلي، هو نشر وتصوير هوية النوبة الأفريقية في تمييز بالتضاد مع مطالبات العروبة التي استخدمت بشكل عشوائي في السياسة السودانية. في المقابل، فإن حزب الأب فيليب غبوش "الحزب القومي السوداني" كان في مأزق من أجل أن يعلن عن نفسه كحزب "وطني" يعمل على جذب غير النوبة أيضاً. على الرغم من أن اتحاد عام جبال النوبة في استراتيجيته السياسية الجديدة لم يكن، من حيث المبدأ، ضد التوجه الوطني الذي يجلب النوبة وغير النوبة في منظمة سياسية واحدة، فإنه يعتقد أن الوقت لم يكن قد حان بعد لمثل هذه المنظمة. وقد اختار حزب العمل، الذي يضم أعضاء من كومولو ونحن كادوقلي، التحالف مع الحزب القومي السوداني عوضاً عن اتحاد عام جبال النوبة. وكان الدافع الحقيقي هو الاعتقاد بأنهم يمكن أن يحتووا الحزب القومي السوداني أكثر مما يمكنهم احتواء اتحاد عام جبال النوبة. وقد فجر ذلك في الواقع أي فرص للتوحيد السياسي للنوبة، حيث أصبح انعدام الثقة التقليدي ضد المثقفين يدخل إلى حيز الاستخدام والتأثير مرة أخرى.

وينبغي تمييز تأثير كومولو عن الحزب القومي السوداني وفي بعض النقاط عن اتحاد عام جبال النوبة المنظمة حديثاً. إن التقدم الذي أحرزه الاتحاد يرجع إلى جدول أعمال تم اختياره بعناية وإن كان مع استراتيجية سياسية محددة بشكل غير متقن. في حين أن كومولو جاء إلى حيز الوجود نتيجة اليأس والشعور العميق بالتهميش السياسي والثقافي، إلا أنها مضت لتمثل بحق تتويجاً للإحباط السياسي وخيبة الأمل التي شعر بها شباب النوبة في ذلك الوقت. المشكلة الوحيدة مع كومولو كانت مركزيتها الإثنية. وهكذا، من خلال محاولة الاستبعاد المتعمد لبعض المثقفين النوبة المنتمين إلى جماعات إثنية معينة، ورفضها الاعتراف بأي حوار سياسي مع الحكومة كطريقة بديلة للمقاومة، سمح لنفسه بالانحراف إلى شيء مماثل للتعصب الثقافي أو الديني الذي قاومه.

مذكرة احتجاج

وفي نوفمبر 1989، عندما كانت حكومة الجبهة الإسلامية القومية بالكاد لا تتجاوز خمسة أشهر، أرسلت مجموعة من مثقفي النوبة، برئاسة الكاتب الحالي، مذكرة شديدة اللهجة إلى الرئيس عمر البشير وأعضاء مجلس قيادة الثورة وقد رتب اللقاء العميد إبراهيم نائل إيدام، وهو نفسه من النوبة، وكان حينذاك وزيراً للشباب والرياضة ورئيس جهاز الأمن، للاجتماع مع رئيس مجلس قيادة الثورة. ولفتت المذكرة انتباه السلطات إلى بعض أخطر الفظائع التي ارتكبتها القوات الحكومية والميليشيات العربية المسلحة ضد المدنيين العزل من النوبة. وقد طلب إجراء تحقيق رسمي للنظر في الوفيات المشبوهة واختفاء المثقفين من النوبة في المنطقة. كما أدانت سياسة الأراضي وطالبت بتوزيع عادل للمشاريع الزراعية في قطاع الزراعة الآلية. وقد صيغت المذكرة بشدة واتهمت البشير بالتورط شخصياً في التغاضي عن أعمال العنف التي تشنها الميليشيات العرقية. أثار هذا العمل سخطاً واسعاً لدى السلطات مما أدى إلى توبيخ علني لمثقفي النوبة وكبار قادة الجيش من قبل الجنرال البشير.

__________________________________

44 كان اتحاد عام جبال النوبة هو الحزب السياسي المنظم حديثاً، والذي دخل إلى حيز الوجود بعد عام 1985. كان الاتحاد بقيادة الدكتور الأمين حمودة، وضم النخبة العليا المتعلمة من النوبة.

ومع ذلك، لم تستمر جميع الفظائع مثار الشكوى من دون هوادة فحسب، بل أن الحكومة شرعت في تنفيذ سياساتها لإنشاء قوات الدفاع الشعبي سيئة السمعة.45

الردة في جبال النوبة

هناك مثال آخر يدل على مقاومة النوبة لسياسات الحكومة يمكن استخلاصها من حالة مسلم من النوبة تخلى عن الإسلام في تحدِ لقوانين الشريعة التي تفرض عقوبة الإعدام على الردة. ومع ذلك، لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يختار فيها أحد النوبة التحول من دين إلى آخر، حيث توجد العشرات من الحالات المماثلة التي لم يتم الإبلاغ عنها.46 ومن الأمور ذات الأهمية الخاصة حالة مسلم من النوبة يعمل مدرساً وأسمه الفكي كوكو حسن، والذي تحول إلى المسيحية في عام 1998. وكان لهذا الحادث أهمية اجتماعية ودينية وسياسية ربما بسبب توقيته. وبدون التقليل من الأبعاد الشخصية والروحية والوجودية لهذا العمل، يمكننا أيضاً أن نعتبره تعبيراً عن رسالة ذات أهمية كبيرة من التأكيد والمقاومة في السياق الخاص الذي تكشفت فيه. وأصبح البعد السياسي أكثر وضوحاً أثناء المحاكمة، حيث استحوذت القضية على اهتمام جميع النوبة، الذين اعتادوا، بلا كلل، على ملئ قاعة المحكمة بحشود كبيرة أثناء المحاكمة. كان الأمر كما لو أن ثقافة النوبة بأكملها، وسياستهم وهويتهم وضعت للمحاكمة. وقد حدث التحول في وقت كان فيه الإحباط واليأس في ذروته وشعر جميع النوبة بمرارته. وشاركت الحكومة في حملة قمع واسعة النطاق على النوبة ونقل الناس إلى ما يسمى " بمعسكرات السلام"، حيث أصبح العمل القسري واغتصاب النساء أو تزويجهن قسراً لقوات الأمن ممارسة روتينية. وتحت ذريعة توفير التعليم والحياة الجيدة، اختطف أطفال النوبة قسراً إلى أماكن مجهولة في الشمال. وأصبحت الفظائع التي ترتكبها قوات الدفاع الشعبي وما يسمى بالقوات الصديقة للحكومة في آنيا نيا الثانية أمراً شائعاً ضد المواطنين المسالمين.47 - إن الحالة الاقتصادية لمعظم النوبة الذين يعيشون في المناطق الحضرية أمر يدعو إلى الأسى. وهكذا، بالنسبة لغالبية النوبة، كان الحادث دليلاً على نمط مختلف من المقاومة السياسية. وعلى الرغم من أن عملية التحول تصنف على أنها "ارتداد"، وهي جريمة يعاقب عليها بالإعدام بموجب القانون الجنائي لعام 1991،48 فقد أعيد المتهم إلى الحبس الاحتياطي عدة مرات وأوقفت محاكمته في النهاية، حيث لم تتمكن المحكمة من المضي قدماً بسبب الضغوط الداخلية والخارجية معاً.49

______________________________________

45 وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن بعض الضباط الكبار من أبناء النوبة في الجيش كان لهم دور أساسي في دعم تشكيل قوات الدفاع الشعبي في الجبال بالرغم من اعتراضات مثقفي النوبة الشديدة.

46 لقد لوحظ حقاً أن "عدداً كبيراً من النوبة قد تحول من الإسلام إلى المسيحية [والعكس صحيح أو من الأرواحية إلى الإسلام] ... إن معظم مسلمي النوبة يمارسون أو يتسامحون مع الممارسات التي يعتبرها المتطرفون الحاكمون غير إسلامية.” African Rights ، المرجع السابق، صفحة.288.

47 African Rights، المرجع السابق، الصفحات. 137- 275. تشير آنيا نيا إلى قوات حرب العصابات التي أطلقها المقاتلون الجنوبيون في عام 1963. قاتلت قوات آنيا نيا (I) حتى حلها وإدماجها في الجيش بعد اتفاق أديس أبابا لعام 1972 الذي أنهى الحرب الأهلية، وأعيد تشكيل آنيا نيا في عام 1983 مع استئناف الحرب الأهلية. وعلى الرغم من أجندتها الانفصالية، فإن آنيا نيا (2) كانت متحالفة مع الحكومة ضد الحركة / الجيش الشعبي لتحرير السودان.

48 المادة 126 (2) من القانون الجنائي لعام 1991.

49 ويتلقى المتحول إلى الديانة المسيحية حالياً العلاج في الأردن من الشلل الذي يعاني منه جراء التعذيب أثناء الاحتجاز.

دور الدين في نزاع النوبة

فكرة عامة

من المفترض أن طبيعة أي دين هي تلبية تطلعات أتباعه للأمن الروحي من خلال تمكينهم من التعامل مع الحقائق القاسية للحالة الإنسانية. وبالإشارة إلى دين النوبة، لا بد من ملاحظة أن شعب النوبة لا يعتنق شكلاً واحداً من أشكال الدين. هناك النوبة المسيحيين والنوبة المسلمين، وكذلك أولئك الذين يتبعون الوسائط التقليدية للروحانية. ومن المهم أن نلاحظ أن اتباع دين واحد أو آخر لم يكن قط عاملاً مثيراً للانقسام في أي من مجتمعات النوبة العديدة. في الواقع، لم تقابل المسيحية ولا الإسلام أي أعمال عدائية أو تحيزات من الديانات الأصلية.

لابد من كلمة عن منظر



2 574 05/01/2018 - 01:27:39 AM طباعة

  • بواسطة : Kori Ackongue

    09/01/2018 - 08:04:28 AM

    Remember, after series of NMR students meetings in Northern Kordofan at those times, on 17th November - 1973, the late Capt. Saddig Saddig Amoon, from Nittle Village Dilling, who was studying in Khurtaggat S. Secondary School was elected as the Chairperons for the NMR Students Association and the Late Capt. Awad Alkarem Kuku Tia who what the student at El Obied Technical School was elected as the General Secrtary, even before establishing the secret organ in Tillo High Secondary School as basis for what was wrongly called Kommalo or We are Kadugli, be the SA
  • بواسطة : Kori Ackongue

    10/01/2018 - 08:19:09 AM

    Sorry, Sadig Saddig Amon, a former lecturer in the College called the Technical Institute before calling it STS University now, even before getting professional job in one of Sudai Arabia famous Petroleum Company, prior to joining SPLM. He was from Kurmoti Villages and they are one unit, and all are from Ama famous Trib and the person who had replaced A. K. Tia was from Ajang Tribes Groups, but no need to state who was he..
أضف تعليق

أحدث الفيديوهات
اعلانات
المتواجدون حاليا
de   1 ir   2
ke   1 nl   2
us   8
إستطلاع الرأى

Loading...

facebook
تفضيلات القُراء
-
جديد الصور
follow us on twitter