الثلاثاء 16 يناير 2018 - 09:54 ص

المك رحال (الكبير) اندو كادقلي ومن هو؟

علي ابوعنجة ابوراس تنجه

علي ابوعنجة ابوراس تنجه


                                             

المك رحال (الكبير) اندو كادقلي ومن هو؟

هو الحاكم السادس الذي امتد حكمه الي37 عاما في الفترة ما بين( 1880-1917م) في سلسلة حكام كادقلي جبال النوبة  جنوب كردفان ولقد ورث السلطة عن والده اندو كادقلي (كداولي)   اذ كانت السلطة تنتقل بالوراثة كنمط تقليدي شريطة بلوغ سن الرشد والتحلي بصفات الرجولة و الفراسة والحكمة وحسن الخلق و التواضع و الولاء عند تامين حدود المنطقة من غارات الاعداء  .

جرت  العادة  في حالة صغر الوريث ان يقلد عمه العرش ليدير دفة شئون الحكم لتدريبه حتي يصل سن البلوغ ويتسلم مهامه ويظل عمه يعاونه ليتاكد  من قدرته على تسير الحكم بمفرده  واستمر ذلك النمط الى هذا العهد القريب لدي حكام النوبة في جبال النوبه . تقلد  المك رحال الكبير اندو كداولي (كادقلي)  مشعل السلطة من والده كسابقيه من الاباء والاجداد .  امتدت  سلطته على قبائله المتعددة و الواسعة جنوب وشرق وشمال كادقلي الحالية اذ لم   يذكر لنا التاريخ   عن حكمه لاهله النوبة ( الكقولو) سوى ما نقل لنا من الاخبار المنقولة عنه من الاباء والاجداد ، بانه كان قد اتسم بالعدل و الشجاعة والكرم و النبل و الذكاء و الصبر كما وكان نزيها فاضلا محبوبا بعيدا عن الصرامة قدوة في الدقة و التواضع مترفعا عن الدنائة و الشهوة المفسدة .تلك الصفات خلقت نظام فريد  لتنظيم قبائله مع اشقائه الحكام في مناطق نفوذه  و نجح في  خلق مجتمع متجانس و متناغم اذ  نشأت أحلاف ، تصاهرات و روابط  كنتاج لنموذج  التعايش السلمي التي امتاز بها عصره مخلدا اسمه في تاريخ  مجتمع كادقلي.

 طريقته في الحكم   تمثلت  في  الادارة الاهلية  التي عماد اساسها العرف و الشورى والتحالفات وقد وجد تعاونا تاما من رج في  ارساء سلطتة التي عاصرت  التركيه السابقه ،المهدية وبعد دخول الاستعمار الانجليزي ، نجد ان قبائله كانت جميعها تتواضع لسلطته في كادقلي ويجمعهم  صلة الارحام و اللغة و التراث اضافة لقبائل اخرى شاركته الارض والحياة والعمل . لم يذكر للنوبة في الجبال كراهية لاحد ممن دخل عليهم سواءا كان بسوء المعاملة او العنصرية او الظلم او الاقتتال مع القبائل الحدودية المتداخلة والمجاورة لهم.   

كان المك رحال اندو ذا وعي بشكل واسع بقبائله و كان فخورا امينا لشعبه محتفظا بامن و سلامة شعبه عبر رجالات قبائله الاوفياء الاصلاء الذين كانوا دائما قريبين منه  -عاصر المك رحال (الكبير) سلطة المهدية(1884-1898)م في عشرة  اعوام من عمر حكمه الذي امتد من(1880-1917)م حيث عانى النوبة في ذلك الزمان من الاسر والاختطاف حتى كان من عائلته مجموعات قد اختطفوا وعثر علي بعضهم بشمال الجبال وتم ارجاعهم ولدرء مثل هذه المواقف اعتمد النوبة على ادبيات للحرب وكانت فعالة في ذلك الزمان لعدم وجود الهواتف التي بين ايدينا اليوم حيث كانوا يعتمدون على ترجمة طرقات الطبول والابواق وكانوا لايخطئون ترجمة نغماتها للدفاع عن النفس في ذلك الزمان الغيهب.

كما اكد المؤرخ نعوم شقير والذي كان حاضرا في معركة كرري 1889م وكان حينها رئيسا لقسم التاريخ و المخابرات السودانية عن تعداد النوبة بالجبال ابان المهدية كان فقط خمسين الف نسمة ولكنه تناقص في تلك الفترة ولم يبق منه الا نصفه وكذلك يقول الكاتب سراج الدين عبد الغفار في كتابه الصراع في جبال النوبة بعد المهدية انه:( اي النوبة الذين كانوا يقطنون الجبال في عام 1929-1930م كان قد بلغ حوالي المئة الف نسمة ونسبة النوبة 87 في المئة الي العدد الكلي للسكان بالسودان البالغ ثمانية مليون نسمة تناقص الي حوالي ثلاثة مليون بسبب الحروب والاوبئة وكما قال انه بانهيار دولة المهدية في عام 1899م التي استمر حكمها الي الثلاثة عشرة عاما كانت قد قضت خلالها علي اشكال النظم الادارية بالبلاد ) و اعتقد ان تلك الاحصاءات غير موفقة او دقيقة لانه لم يشمل ارقاما كانت معتبرة خارج البلاد واجزاء من مناطق السودان المختلفة التي لم يشملها التعداد.

عاصر المك رحال الكبير مملكة تقلي الاسلامية تحت حكم السلطان ادم امدبلو امتدت مدته الي عشرة اعوام شارك المك رحال السلطان ادم امدبلو بجماعات مهولة من ابناء النوبة في الحرب في شيكان عام 1883م وكما شارك في كرري عام 1889م بعد ان شارك من قبل في تحرير الخرطوم في العام 1885 للميلاد بعد ان طلب المهدي يد العون من شعب النوبة.

 امتد حكمه ليعاصر الاستعمار الانجليزي والحكم الثنائي (1898-1956م) لم يستطع االاستعمار الانجليزي ابعاد النوبة من تنظيمهم السلطوي فلقد تركوا للنوبة حق ادارة مناطقهم ولما لا والنوبة قد مارسوا السلطة وهم على دراية كاملة بشؤنها عبر مملكة تقلي العباسية الاسلامية . إبان  فتره الاستعمار التركي فرضت قسرا على المك السابق والده اندو كادقلي ما يسمى بضريبة الدقنية والتي كانت توجب تاديتها سنويا على البالغين من الذكور وذلك عندما  كان دخول الاتراك طلبا للمال والرجال رغبة منهم في تجنيدهم بالجيش وبعثهم للحرب نيابة عنهم وحماية سلطانهم كما يذكر لنا التاريخ دون خجل .عندما بدا الحكم الانجليزي الاستعماري سار في نفس الطريق وازعج بذلك بعض النوبة وحينها قامت ثورتين ضده احدهما ثورة المك الفكي علي المي الميراوي  ذلك في العام 1915م بغرب كادقلي   وكان عصيا علي االاعتقال  حتي  تم اسره  ليقضي عقوبة السجن وتوفي في العام 1922م (عليه الرحمة )والثانية قام بها السلطان عجبنا  أروجا عام 1917م في مناطق النمانق و اسر فيها وتمت هزيمته وهزيمة اقوى واشرس الثوراث لدي نوبة الجبال ضد المستعمر الانجليزي .استمرت  ضريبة الدقنيه  الي مابعد الاستقلال بعشرة سنوات عبر اربعة حكومات وطنية وعسكرية لم تلتفت الي ايقافها (حكومة السيد الازهري- عبود- الصادق المهدي- سر الختم الخليفة-) الي ان تم ايقافها بعد تكوين الحزب القومي السوداني بقيادة الاب فيلب عباس غبوش الذي قدم شكوى حزبه للبرلمان في عهد الديمقراطية الخامسة لجعفر محمد نميري 1975-1985م وهو الذي عطل تلك الضريبة ولا ننسى ان اتحاد عام جبال النوبة الذي كان قد تكون عام 1973م كان قد حاول ايضا ايقاف نفس الضريبة في عهد الحكومات السابقة ولكنه لم يفلح ولم يجد الا تهاونا وصدا .

كما كان في عهده ان تم تجنيد النوبة في قوة دفاع السودان حيث شاركوا في الحرب العالمية الاولى التي امتدت من 11-11-1914م الي العام 1918م

ومن ظواهر عهد المك رحال (الكبير) ايضا اختيار تلودي كعاصمة لجبال النوبة وكردفان  بشكل عام  ابان العهد الانجليزي عام 1907-1924م ضمن تسعة مديريات في السودان وقد شهد المك افتتاحها واستمراريتها احدى عشرة عاما و قد نقلت الى الابيض  في عهد خليفته المك محمد رحال اندو كادقلي لاسباب ثورة اهالي تلودي ضد المستعمر الانجليزي الذي كان متمثلا في شخص ابورفاس مامور مديرية تلودي.

اما عن علاقاته التجارية فقد كان يعتمد في سفره على الدواب من  الخيل والحمير اذ لم تكن لديه وسائل التنقل الحديثة. كان شجاعا لايلين في اموره عند الاشراف على رعاياه ، كما  كانت له علاقات تجارية مع المك ادم امدبلو 1844-1898م كان كثيرا ما يستقبل المك ادم امدبلو وفود المك رحال الكبير وهم يحملون اليه جلود الحيوانات البرية وريش النعام والعسل والحصين و الحمير ويجلبون اقمشة الدمور والسكسك ، الاسلحة وملح الطعام وغيرها والتي كانت تصل الى هناك عبر سنار( السلطنة الزرقاء) وكانت قد شملت التجارة مع تقلي التزاوج حيث تزوج احد حكماء تقلي من ابنة المك حتى جاء تسمية منطقة بكادقلي باسم تقوي والتي لازالت تحمل هذا الاسم الي يومنا هذا  كما كانت له علاقات وطيدة مع السلطان علي دينار (1898-1916م) اخر سلاطين الفور اذ كان يغذي النوبة بالسلاح المرمطون والقريبينة والشلال بالاضافة الي الاسلحة البيضاء بمختلف انواعها واخر المطاف كان النوبة يصنعون الظروف الفارغة يقومون بتعبيتها مستعملين خام الحديد الذي كان يتم تنقيته بصورة بدائية وكما  كانوا يجمعون الظروف المستعملة الفارغة لاعادة تعبئتها.

وفي عهده كان الفور يتوافدون في طريقهم الي الحج عبر لقاوة حيث كان يستقبلهم المك موسى فرج الله موسى مك كمدة في طريقهم الي كادقلي ومن ثم الي تلودي ابو جبيهه من ثم الي كوستي منها الي بورتسودان 

وعرف عن المك موسى فرج الله مك كمدة انه كان قد تعلم القران صبيا في غرب السودان ثم تولى منصبه في السلطة بعد ان كان كاتبا للمك في كمدة الجبال الغربية في عهد الاستعمار الانجليزي.

عرفت للمك رحال الكبير علاقات وطيدة مع المناطق المجاورة والحدودية مثالا لذلك قبائل دينكا نقوق في مناطق الابيض وكيلك وكذلك اعيان العرب في تلك المناطق اذ كانت تقوم بينهم احلاف وتجارة المواشي وغير ذلك.

لقد كان المك رحال الكبير اكثر حظا في تطوير المنطقة قبل الاستقلال وفي فترته ايضا ظهرت في منطقة كادقلي الطرق الصوفية على يد الشيخ البرناوي شيخ الطريقة القادرية الذي زار تلودي 1906م كاول داعية لعاصمة جبال النوبة كردفان وفي نفس الاونة زار هيبان لبث الدعوة الا انه لم يمكث كثيرا بل عاد ادراجه مرة اخرى الى تالودي حيث قام ببث الدعوة ونقل احد اتباعه الدعويين  الي كادقلي في نفس العام ومن ثم تبعته في الدخول الطرق الصوفية الاخرى بحسب الترتيب التالي: 

الاسماعيلية - الختمية - طائفة الانصار - السمانية - واخيرا التجانية و كما  كانت المسيحية ايضا واسعة الانتشار حيث انها وصلت جبال النوبة الشمالية منذ العام 1871م عبر الاب دانيال كمبوني صاحب كمبوني الابيض ولم يستمر لاسباب اعتقاله على يد سلطات المهدية لكنه اعاد نشاطه في عام 1906م مرة اخرى حتي العام 1919م  ساعد البعثات التبشيرية  انها قد ارتبطت بالتعليم والصحة  .عاش النوبه في تجانس و اخوه صادقه برغم تعدد الأديان   فالنوبة قد ارتبطوا ومازالوا مجتمعا متماسكا ويوجد بينهم الكجور والسحار والمسيحي والاسلامي واللاديني وخلاف ذلك فالكل له ان يختار ما يشاء عن قناعته وكانوا مجتمع يميل بطبعه الى حب التعليم ولايصعب على طبعهم الاقناع والاقتناع ولايصعب عليهم قبول مايثقون فيه من صحيح الاعتقاد.

لقد احب المك رحال الكبير رعيته دون فرز وقد كان ادميا وصف بالعطف وبكل ماهو انساني مما يجعلنا نبحث كثيرا عن مراجع وقصص حياته التي امضاها في السلطة من ابائنا وكبارنا للاستزادة من اثره ولتدوين كل صغيرة وكبيرة عنه اذ كانت للرجل ماثر يقف الانسان احتراما لها.

 فقد الاباء والابناء ذلك الاب االمضياف والذي كان شغله الشاغل   حفظ ارضهم واسعادهم ، رقد على فراش الموت الطبيعي يشهد عليه اهله واحباءه وخلصائه  بقولت لا اله الاالله وان محمد رسول الله  رحمه الله رحمة واسعة نسال الله ان يسكنه فسيح جناته وحمدا لله فقد شهد عليه الكثيرين بحسن العطاء والامانة   .امل ان يقوم الابناء بجمع وكتابه  تاريخ وتراث  كادقلي .. لانطالب الاخرين بذلك لاننا الاحق بذلك ولاننا نعرف من نحن وكيف كنا ثقافة وتراثا اذ هي الحياة يسطرها التاريخ للعيان فلنكن بعيدين عن التخاصم والمهالك والظلم لقد كان شعب النوبة عظيما جدا وله الفضل في عدم التنازع على السلطة لاننا شعب واحد ابناء ارض كوش - اثيوبيا القدماء - نوباتيا - انوب - ارض السود - تانهسو - مازوي - السودان  مع العلم ان اثيوبيا الحالية ليست اثيوبيا الاولين القدماء انني اعني اننا ابناء تلك الحضارات التي قال فيهم استاذ اللغات المؤرخ الدكتور الباحث المتنقل ار سي استيفنسون ولم يخطئ الصواب في قوله :( ان النوبة شعب وليست قبيلة ) . 

علي ابوعنجة ابوراس تنجة 

 

 

 

 



3 560 31/12/2017 - 10:50:29 PM طباعة

  • بواسطة : عبد المجيد

    01/01/2018 - 05:04:08 AM

    ماشاء الله عمي علي الي المزيد. و ياليت من هم في اعمارك او اكبر ان لا يبخلو بما يعرفونه عن تاريخنا التليد.عظم الله اجرك و اطال عمرك و الي المزيد.وشكرا .
  • بواسطة : مستوره

    01/01/2018 - 05:13:28 AM

    عاش شعب جبال النوبة وشكرا كتير عمو علي هذه النبزه. عن حكم الملك رحال
  • بواسطة : Kori Ackongue

    04/01/2018 - 07:15:27 PM

    Well done to many young rewriting history of the region cadre. For some years back one started to feel that something profitable could appear to let these generations do wonders of correcting the Sudan history about the heroes of the region, the late elders Sultanates and others. The days through these upcoming generations will nourish the hopes to regain the lost history step by step. Congratulations for all and to you Ali Abu Anga Abu Rass Tinga and likewise for all everywhere they are found active to do something historic and useful to all.
أضف تعليق

أحدث الفيديوهات
اعلانات
المتواجدون حاليا
de   1 ir   2
ke   1 nl   2
us   8
إستطلاع الرأى

Loading...

facebook
تفضيلات القُراء
-
جديد الصور
follow us on twitter