الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 - 06:10 م

كشف المستور في شخصية عرمان (6)

د. قندول إبراهيم قندول

د. قندول إبراهيم قندول


 

كشف المستور في شخصية عرمان (6)

الدكتور قندول إبراهيم قندول

Gandul1@msn.com

في الحلقة الفائتة تحدَّثنا باستفاضة عن الانتهازية، أما موضوع هذه الحلقة فيدور حول الاستغلال بالمفهوم السياسي والذي لا يخرج عن دائرة "استخدام جماعة معينة كوسيلة لتحقيق أهداف مرحلية محدَّدة بطريقة ظالمة لمصلحة شخصية أو لفائدة جماعة أخرى". ودائماً ما يوظِّف الشخص المستغِل العلاقة الاجتماعية المستمرة بينه وبين الجماعة المستغلَّة بطريقة ذكية، ثم يتخلى عنها متى ما رأى أنَّه حقق غاياته أو أغراض الجماعة المحسوبة له. وقد يكون التخلي عن المجموعة بشق صفوها وخلق نوعاً من العداوة لتشتيتها وإضعافها، والبحث عن مجموعة أخرى لاستمرار دورة حياة الاستغلال. وفي أحايين كثيرة يتم "استقطاب حاد" لبعض أفراد المجموعة المستغلَّة للاستفادة منها لإنجاز مهام معينة ومحدودة وغالباً ما تكون تشويه صورة الجماعة الرئيسة. أما أساليب الاستغلال السياسي فمتعدِّدة ويتم اختيارها بناءً على الجمهور المستهدف، من حيث طيبته وسلامة نيته، أو عفويته أو لسذاجته، وليس لافتقاره إلى الذكاء والحكمة والحنكة، والصبر كما يتبادر إلى أذهان بعض الناس. فمن أدوات التأثير الفعَّال على الجمهور المستهدف استخدام الرموز المؤثرة التي تحمل معاني استجابة إيجابيَّة لرسالة معينة. وقد تكون الأداة صورة قائد ملهم للجماعة أو زعيم ديني أو علم وطني إلخ... ومهمة تلك الأداة هي خلق نوعاً من العاطفة تجاه الرسالة أو إقناع الجمهور للاستجابة الإيجابيَّة لها ودعم أصحابها بالتأييد بغض النظر عن الحقيقة العميقة من وراء الرسالة.

هذا، فلقد أشرنا في الحلقة الثالثة على عجل بشاعة استغلال صورتي الدكتور جون قرنق دي مبيور أتيم، والمعلِّم يوسف كوة مكي في شعار المسى الجديد "الحركة الشعبية لتحرير السُّودان- شمال" ناقصاً الجيش الشعبي. فالحق – والحق يُقال- إنَّ هذا الاستخدام لهي قمة الاستغلالية لهذين البطلين. ففكرة "السُّودان الجديد" بلا شك، نابعة من أفكار الدكتور قرنق العميقة والذي رحل فجأة وترك وراءه فكراً لم ولن يمت برحيله بل بقي وسيبقى حياً يمشي بين الناس. الفكر الذي يحمله المؤيدون والمعارضون له وعلى حدٍ سواء؛ فالمؤيدون يتفاخرون به جهراً، أما المعارضون فعلى استحياء، أو أنَّ بعضهم ينافق بإظهار معارضته له. وأياً كان الأمر ففكرة "السُّودان الجديد" التي دعت ولا تزال تدعو إلى تحقيق وحدة ما تبقى من السُّودان بتنوُّعه وموارده، ليس كمثلها بديل لو التف حولها أهل القرى والحضر. ولكن رفض أصحاب الأجندات الظاهرة والخفيَّة، ففصلوا الجنوب آملين ان يسلم باقي السُّودان، ولكن لا نجح السُّودان القديم ولا الجنوب. وعلى الرغم من هذا الواقع المرير يشمت أهل الحكم في السُّودان بما يدور في الجنوب من حرب أهلية وكأنَّما بلدهم نفسه مستقراً أمنيَّاً وفي مأمن. وكما كثر ت تساؤلات: مَنْ المسؤول من فصل الجنوب لتجد منهم إجابات واهية. فمنهم قال الغرب وإسرائيل لأَّنَّهم أعداء الإسلام والعروبة، وأصبح بعضهم يتلاومون، وأثرت ثُلة منهم الصمت وهم نادمون، ويعلمون أيضاً أنَّهم هم المسؤولون تماماً، أولاً وأخيراً. أليس هم الذين رفضوا ويرفضون السلام إلا بشروطهم التي تنكر حقوق الآخرين؟ بلى!

مهما يكن جدالنا ولو أكثرنا فيه، ليس في السُّودان أو خارجه من لا يرغب أن يعم السلام والأمن والاستقرار، والديمقراطيَّة وحكم القانون الذي يتساوى أمامه الجميع بالعدل إلخ... إلا المنتفعين من حال الوطن البائسة. فمطلوبات المواطنة الحقة المتمثِّلة في حسن إدارة تنوُّع السُّودان الإثني والعرقي والديني والثقافي إلخ... وتبعاتها من إشاعة العدل والمساواة بين المواطنين مهمة، لكي يتفرَّغ الجميع للتنمية المستدامة لينتفع أهل السُّودان كافة بدلاً من الاحتراب والحديث الهامشي، والجدل البيزنطي أنحن عرب أم أفارقة، مسلمون أم غير مسلمين وما إلى ذلك من الخزعبلات! فقد كرَّس الدكتور قرنق حياته لإفهام قوم السُّودان أهمية التطرُّف "لسُّوداناويتهم" وليس لأفريقانيتهم أو عروبتهم أو إسلامهم أو مسيحيتهم أو معتقداتهم الأفريقيَّة النبيلة، لأنَّ ا"لسُّوداناويَّة" هي العامل المشترك الأعظم بينهم جميعاً وهي أداة "وحدتهم". ففكره صائب، ولا نقول كله صواب، إذ ينبغي تصحيح الخطأ وتطوير االجديد في الفكرة أو جلها بدلاً من التناحر لأنَّنا أو بعضنا فقد موقعاً ما. هذا ما يجب قوله باختصار عن الدكتور قرنق وفكرته المتميِّزة.

أما المعلِّم يوسف كوة مكي، فلا أحد يغفل دوره في حياة الناس كلهم، ولكل فرد رأيه فيه، إيجابيَّاً أو سلبيّاً. فإذا كان سالباً فلا ينقص من مقامه وعليائه شيئاً. فقد عاش ومات وهو مهموم بقضية شعبه في جبال النُّوبة على وجه الخصوص، والسُّودان بصفة عامة. فضلاً عن أنَّه كان يحمل نفس الرؤية التي مات من أجلها الدكتور قرنق، غير أنَّه كان معلِّماً حقيقيَّاً. فقد كان يصر ويركِّز على تعليم شعبه الثقة بالنفس، والتمسُّك بأصالته السُّوداناويَّة، وإبرازها بثقة وثبات لأنَّها من أنبل سمات القائد الجسور والصبور، وما صبر النُّوبة على المكاره إلا حفنة مما كان يمتاز به يوسف. فهو مدرسة فكرية كاملة ومتكاملة يصعب تغطيتها هنا. ولكن لا بد لنا من ذكر أنَّه غرس في شعبه القيم الحميدة مثل الصدق والأمانة والعفة، فلا يجوز الكذب، ولا الغش ولا الخيانة. وكان يشدِّد على مبدأ الشفافية، فعدمها عنده مرفوض، ويؤكِّد عفة اليد وسلامة اللسان لأنَّهما محمدة. وقد كان يدعو أيضاً إلى العفو عند المقدرة، وإلى المروءة كونهما من محاسن ومكارم الأخلاق، وجميل العادات وكمال الرجولة والنخوة. لذا اختار عبد العزيز اآدم الحلو كرجل المرحلة لقيادة النُّوبة لأنَّه رأى فيه تلك الصفات. إذن، لم يكن الاختيار عبطاً واعتباطاً وإنَّما لإيمانه وثقته فيه بأنَّه سينجز المهام الموكلة إليه أو سيؤدي الأمانة إلى أهلها إذا غلبه حملها ليقرروا بأنفسهم ولأنفسهم، فهذا بالضبط ما حدث.

إذن، إنَّ ما أتى به مالك عقار وياسر عرمان واستخدامهما صورتي البطلين ضمن مكونات ومحتويات شعار حركتهما لأمرٍ إداً. ولم يكن إلا رد فعل وغضبة لإقالتهما من رئاسة الحركة ومن الأمانة العامة لخروجهما من الخط الذي رسمه الدكتور قرنق والمعلِّم كوة. ومهما كانت المبررات والحجج التي صاغها الاثنان لقيامهما بهذا العمل، ففي الأمر عدم الاحترام والتقدير لأرامل وأبناء وأسر، وأقرب الأقربين للدكتور جون قرنق دي مبيور والمعلِّم يوسف كوة مكي وكذلك الجماهير التي أحبتهما. فالشهيدان لا يزالان أحياء برؤيتهما التي غُرست في أعماق وأذهان الناس الذين لا يحتاجون لتذكيرهم بهذه الصورة التي لا تعكس إلا الاستغلالية لاستمالة البعض لمساندة المجموعة التي انشقَّت. فإذا كان الأمر غير ذلك لماذا لم تُوضع الصورتين بين العلمين قبل المفاصلة والخصام؟ وحتى لا نكون قد أفشينا سراً إن قلنا لم يتم سؤال أو استشارة أسرة المعلِّم يوسف كوة مكي بغرض الحصول على الموافقة المبدئية بوضع صورته على العلم، تأدباً بقامته ومكانته بين أهله وأبنائه. نفهم ونقبل أن تنشر صور الأبطال في الكتب ووسائل الإعلام المقروءة والمرئية، والملصقات والملابس، أو النقود والنقوش إلخ... ولكن أن تكون جزءً من شعار حركة التحرير مثل العلم، فلم نسمع به أبداً، ولا بد أن تكون هذه سنة من السنن الجديدة في الكون! فذكرى تخليد المعلِّم كوة أو الدكتور قرنق لا تتم بهذه الطريقة ولا بهذه الصورة. كان ينبغي أن يكون التخليد بالمحافظة على رؤيتهما وإرثهما بالنضال المتواصل بكل السبل المتاحة ككتلة واحدة إلى أن يتحقَّق حلم "السُّودان الجديد" الذي ضحيا من أجله وليس بخلق المشكلات وتسفيه النُّوبة ووصفهم بالقوميين الإثنيين الإقليميين.

نواصل......



1 521 04/12/2017 - 09:10:41 PM طباعة

  • بواسطة : Kori Ackongue

    05/12/2017 - 09:16:33 AM

    One is truly agreeing with you 100% and that the opportunism is not far from the behavior of the two persons plus the last added one to the queue of stealing the reputation of the gentle struggle figures for their own interests. Very, very and very bad concept
أضف تعليق

أحدث الفيديوهات
اعلانات
المتواجدون حاليا
cn   1 us   10
إستطلاع الرأى

Loading...

facebook
تفضيلات القُراء
-
جديد الصور
follow us on twitter