الثلاثاء 16 يناير 2018 - 09:56 ص

الخرطوم.. غزل ومكايدات سياسية

محمد أبو الفضل

محمد أبو الفضل


 

الخرطوم.. غزل ومكايدات سياسية

ميدل ايست أونلاين

الكتابة عن السودان تشبه المشي فوق حقل مليء بالألغام، عليك أن تمشي بحذر وتتجنب الكثير من القنابل كي لا تنفجر في وجهك، فإذا انتقدت تصورات وتصرفات النظام فأنت محسوب على المعارضة، وإذا تجرأت على نقد أداء المعارضة فأنت تقبع في خندق النظام.

منذ فترة واجهتني هذه المشكلة عندما التقيت سفيرا للسودان في القاهرة، وعرفني فقال باستغراب "إنت أبوالفضل بتاع المعارضة"، بعدها بأيام قليلة التقيت قياديا كبيرا في المعارضة، وقال كلاما معكوسا "إنت أبوالفضل بتاع الحكومة".

هذه واقعة حقيقية، قصدت من ذكرها التأكيد أن الأشقاء في السودان رغم سماحتهم المعروفة يؤمنون بالمقولة الشهيرة "من ليس معي فهو ضدي"، وأنا بطبعي لا مع هؤلاء ولا ضد هؤلاء، وبحكم متابعتي للشأن السوداني أكتب عنه من حين لآخر، كلما كانت هناك ضرورة.

الغريب أن بعض المسئولين في السودان، اتهموا وسائل الإعلام في مصر بشن حملة منظمة ضد الخرطوم، مع أن الأخبار عن السودان تكاد تكون شحيحة، حتى أزمة المفاوضات الفنية بشأن سد النهضة التي جمدتها مصر بسبب عدم تجاوب أديس أبابا والخرطوم، كان تناولها حذرا ومسئولا وانصبت الانتقادات في بعض الصحف الخاصة على إثيوبيا وليس السودان.

المثير أنه عندما تختفي أخبار السودان يغضب أصدقاؤنا في جنوب الوادي ويتهموننا بتجاهل هذا البلد المهم، بينما درج الأشقاء على توجيه عبارات لاذعة لمصر، لدرجة تفوق المنطق، وتوجيه اتهامات تتجاوز الخيال، ويتعمد البعض اللجوء إلى التاريخ وتشويه أحداثه وصياغتها بطريقة توحي بوجود عقدة أو مؤامرة على السودان.

لا تزال منطقة مثلث حلايب تمثل جرحا ينكأه المسئولون وغيرهم في السودان، للتشويش وصرف الأنظار عن بعض الإجراءات ومحاولة الضغط على مصر في ملفات أخرى، وأخيرا طفا على السطح ملف المياه وكاد يتحول إلى منغص جديد لابعاد ما يتردد عن تواطؤ لافت من السودان مع إثيوبيا.

المقدمة السابقة ليست لتهدئة خواطر الأشقاء وتبرير الكتابة، لكنها مهمة لتفسير المعطيات التي صاحبت زيارة الرئيس عمر البشير لروسيا مؤخرا، وأهمها الكلام عن صفقات أسلحة متطورة وصفقات تجارية سخية وتلويح ببناء قاعدة عسكرية لموسكو على البحر الأحمر، والاستعانة بالرئيس فلاديمير بوتين لمضايقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أو بمعنى أدق هنا مكايدات وهناك مكايدات.

للاقتراب من أسباب الربط، من الضروري معرفة أن الرئيس البشير يجيد المناورة للاحتفاظ بأوراق مهمة معه، تفيده في تحقيق أغراضه السياسية، فقبل أيام قليلة من زيارته لموسكو بذلت الخرطوم جهدا مضنيا لاقناع واشنطن برفع اسمها من على اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، وهي تضم إلى جانب السودان، إيران وسوريا وكوريا الشمالية، مستفيدة من قيام الولايات المتحدة رفع العقوبات الاقتصادية عن الخرطوم والتي استمرت نحو 25 عاما.

الطريق السياسي بين واشنطن والخرطوم بدا ممهدا خلال الأسابيع الماضية، إلا من مطبات صغيرة، من الممكن إزالتها بسهولة، لكن لعدم وجود ثقة تامة قدمت الولايات المتحدة لائحة مطالب صعبة لرفع اسم السودان من القائمة السوداء، مثل عدم استيراد أسلحة من كوريا واتخاذ المزيد من الخطوات في مجال مكافحة الإرهاب، بمعنى آخر دفعه للاقتراب كثيرا من التوجهات الأميركية، ولم تبد الخرطوم ممانعة حول غالبيتها، اقتناعا أو أملا في فتور موقف ترامب.

زيارة موسكو وجد فيها الرئيس البشير فرصة لتوصيل رسالة غاضبة إلى واشنطن، تشي بالاستقواء وأن هناك حليفا ينتظر على الأبواب، وما لم تواصل الولايات المتحدة خطواتها الإيجابية باتجاه الخرطوم بلا تحفظات، فقد تخسرها للأبد.

هي لعبة تقليدية تجيدها بعض الأنظمة التي تتصور أن "عدو عدوي صديقي"، وهذا غير صحيح، فلا موسكو عدو لواشنطن، ولن تكون الخرطوم صديقة لموسكو على حساب واشنطن، فالمسألة معقدة جدا، وهناك مواءمات ومساومات وصفقات تجبر موسكو على التفاهم مع واشنطن والعكس، والدليل ما يجري في سوريا من تغير واضح في التحالفات.

السودان يعتمد في اقترابه الظاهر من روسيا على رغبة موسكو التاريخية من الاقتراب من المياه الدافئة التي بالفعل دخلتها من بوابة طرطوس في سوريا، قبل أن تصبح الدول المطلة على البحر الأحمر والقريبة منه مجالا لتنافس بعض القوى الإقليمية والدولية لتشييد القواعد العسكرية، وتزداد المشكلات والأزمات حدة.

لدى موسكو طموحات كبيرة، ونجحت في تحقيق تقدم في الأزمة السورية التي اقتربت منها، ما يجعلها لاعبا نشطا، يريد تكتيل الحلفاء لاستمرار صعوده، لكن من المؤكد أن موسكو التي أبدت تجاوبا مع فكرة التعاون العسكري مع السودان لديها حسابات عميقة مع واشنطن، وأكثر أهمية مما تريده الخرطوم من وراء الحديث عن صفقات أسلحة وقاعدة عسكرية.

السودان الذي يحتفظ بعلاقات جيدة مع كل من قطر والسعودية حتى الآن، سوف يكون مضطرا للاختيار بين الوقوف في خندق الدول التي تدعم الإرهاب (قطر) والتي تحاربه (السعودية)، وإذا كانت الخرطوم مالت ناحية الوقوف إلى جانب أديس أبابا في ملف سد النهضة بزعم أنها تجني مكاسب، فقد يأتي اليوم الذي تندم فيه لأن تداعيات السد، حال اكتماله، قد تكون وبالا على السودان.

التقدير يبدو قريبا في حالة روسيا والولايات المتحدة، فإذا كانت الخرطوم تعتقد أن موسكو تقف معها في مواجهة واشنطن فهي مخطئة، لأن هناك توازنات دولية تفرض طقوسها، ومن حيث لا يدري الرئيس البشير أجبر الولايات المتحدة على التشبث ببقاء اسم بلاده على قائمة الدول الراعية للإرهاب، فرفعه من اللائحة ربما يزيده تضخما وشرودا، في وقت تبدي فيه واشنطن استعدادا لإعادة تأهيل نظامه وطي صفحاته القاتمة، والبحث عن مخرج لعدم مثوله أمام المحكمة الجنائية، وتهيئة المجال أمام سودان جديد يتعايش مع المعادلة التي ترفع من أولوية محاربة الجماعات الإسلامية المتشددة، وملف الحريات وحقوق الانسان.

مغازلة دولة لمكايدة دولة أخرى انتهت تقريبا من قاموس العلاقات الدولية، لأن كل طرف قوي لديه ما يمكنه من الضغط على الطرف الآخر، فما بالنا إذا كان الطرفان هما الولايات المتحدة والسودان؟

محمد أبو الفضل

 



0 569 01/12/2017 - 12:02:01 AM طباعة

أضف تعليق

أحدث الفيديوهات
اعلانات
المتواجدون حاليا
de   1 ir   2
ke   1 nl   2
us   9
إستطلاع الرأى

Loading...

facebook
تفضيلات القُراء
-
جديد الصور
follow us on twitter