الأربعاء 17 يناير 2018 - 06:53 ص

كشف المستور في شخصية عرمان (5)

د. قندول إبراهيم قندول

د. قندول إبراهيم قندول


 

كشف المستور في شخصية عرمان (5)

الدكتور قندول إبراهيم قندول

Gandul1@msn.com

تتطرَّق هذه الحلقة للانتهازية كمفهوم وربطها بما ورد من تصريحات على لسان ياسر عرمان في مقابلته مع القناة الفرنسيَّة، ومقتطفات من ورقته "ميلاد ثانٍ للحركة الشعبيَّة (....)"، ومن ورقة مالك عقار " تجسير وربط الماضي بالحاضر (...)"، وشيئاً من بيانات الحزب الجديد لنكشف من خلالها أوجه الانتهازية واستغلال الفرص. ففي البدء ينبغي تعريف الانتهازية لغة وفي سياقها السياسي. فالكلمة لغةً، مشتقة من نهز أي اغتنم، وتعني في سياقها السياسي اغتنام الفرص للاستفادة من الظروف التي قد تطرأ مع الاهتمام الضئيل بالمبادئ أو العواقب التي ستعود على الآخرين. والإنسان الانتهازي بطبعه ذكي وبرغماتي، ولاعب ماهر يجيد كل الأدوار ويعتمد خطابين: خطاب للخاصة وآخر للعامة مستخدماً ثقافته المعرفيَّة الواسعة. وتبعاً لهذا يمارس نشاطه بصورة اعتيادية وفق الأيديولوجية المعلنة مظهراً المثالية وفقاً للحالة أو الموقف، ويبذل كل جهده لكي لا تظهر حقيقته. ويعتبر الانتهازي شخصاً لا يبني نجاحه على التعب والإخلاص في العمل، ومن وجهة نظره العميقة يرى أنَّ ولاءه لمصالحه ووقته لأموره الشخصية وعلاقاته الواسعة والعميقة لمنفعته. كما أنَّ الانتهازي يسعى دائماً إلى تجميد المفاهيم أو تغييرها بحيث تخدم أهدافه المرحلية، وهو فوق كل ذلك مستعد كامل الاستعداد للانقلاب على ادعاءاته والخروج عن الجماعة التي يدعي الانتماء إليها. هذا ما يمكن قوله ببساطة عن الانتهازي.

فإذا فحصنا أقوال ياسر عرمان مثل: "هناك العمل السلمي الديمقراطي في المدن"، وأنَّ "الهامش نفسه أتى إلى المدن"، وأنَّ "سكان المدن لهم قضايا كبيرة"، وأنَّه من الضروري "استخدام الكفاح المسلَّح المؤقت"، نجدها مشحونة بتناقضات الواقع. مثلاً ما يتعلَّق بمسألة العمل السلمي الديمقراطي، يبدو أنَّ ياسراً يكتب ولكنه لا يقرأ أبداً ما يكتبه الآخرين يومياً عن السُّودان، أو لا يتفاعل مع ما يُكتب. فهناك انتهاكات جسيمة في حق كل من يحاول القيام ب"العمل السلمي الديمقراطي" للتغيير سواء أكان في داخل الحرم الجامعي أو في شوارع قلب الخرطوم على سبيل المثال، أو ممارسة الكتابة النقديَّة للنظام، أو حتى العبادة التي تخالف الإسلام. ففي الإقبال على هذا النشاط يُقتل الطلاب أو يتم فصلهم وطردهم ويُعاملون معاملة لا إنسانيَّة؛ والنساء يتعرَّضن للجلد بحجة أنهن يلبسن زيَّاً "فاضحاً"، في نظر المتطرَّفين الإسلامويين. أما بائعات الشاي والأطعمة والخمور البلدية لدعم أسرهن يُطارِدن ويتم تغريمهن، أو يُجلدن، على الأقل، أو يودعن السجن عند العسر في دفع الغرامة. أما دور الصحف السيَّارة فتُقفل، والصحف ذاتها تُصادر، ويتم تغريم الصحفيين أو يُسجنون أو يُمنعون من الكتابة، والكنائس تُهدم والأساقفة يُتهمون بالعمالة. وفي معسكرات النازحين يُطلق الرصاص الحي من أسلحة الأجهزة الأمنية للنظام على الأبرياء فيصيب بعضهم في مقتل داخل معسكرات نزوحهم التي حسبوها آمنة. فضلاً عن كل هذا تُطرح المنازل غير "الزجاجيَّة" وتسوي بها الأرض بسبب أنَّها عشوائية وتُشرَّد الأسر في العراء في مواجهة الشمس الحارة والبرد القارس. وأما النشطاء السياسيين فيتم اعتقالهم وإيداعهم الحبس دون توجيه تُهم ضدهم ولمدد طويلة وخارج نطاق القانون. وكما لم تسلم الأنشطة الفكريَّة من الانتهاك الانتقائي ولنا مثال في منع محاضرة للأخوان الجمهوريين في أكتوبر 2017م . حدثت وتحدث هذه الانتهكات في المدن ولا سيما بعد "الحوار الوطني" المزعوم والذي انفض سُمَّاره غاضبين أشد الغضب لأنَّه لم يأت بجديد! فلعلَّ المتابعين قرأوا أخباراً مفادها أنَّ نائب وزير الخارجية الأمريكي طالب الحكومة السُّودانيَّة بتحسين سجلها بعدم انتهاك الحقوق الأساسيَّة للإنسان كاحترام حق التعبد والعبادة، وإلغاء المادة 125 (الإساءة للعقيدة)، والمادة 126 (الردة) من القانون الجنائي، كشروط أساسية للتطبيع الكامل معها. إذن، أين هامش ممارسة "العمل السلمي الديمقراطي" الذي يقصده ياسر دون التدخل العنيف من السلطات الخرطوميَّة أم هذا الكلام عبارة عن دغدغة النظام على شاكلة "تهتدون" استعداداً للعودة الطوعية؟

أما قوله "والهامش نفسه أتى إلى المدن" مستفز ومشحون بالإيحاءات السالبة. أولاً، لا علاقة لهذه الجملة وكما ليس لها موقع في سياق الإجابة عن السؤال الذي طُرح، إلا إذا قصد ياسر أنَّ هؤلاء هم الذين سيستغلهم للمشاركة الفاعلة في أية انتفاضة شعبيَّة محتملة. إنَّ مآلات تجربة انتفاضة أبريل 1985م ماثلة وحية لم تمت. ففيها شارك أهل الهامش بفعالية ضد نظام نميري الذي استهدفهم في عملية "الكشة" وأخرجهم بالترحيل القسري من عاصمتهم المثلثة فانقطع الوصال بين أفراد العائلة الواحدة. كانت خواتيم الثورة الشعبيَّة تلك غير سارة بالنسبة لهم إذ تم وصفهم بالشماسة، فور فوز الأحزاب العقائديَّة والدينيَّة في الانتخابات التي أُجريت. وها هو التاريخ يعيد نفسه إذ يراهن ياسر أنَّ أهل "الهامش" سيصوتون لحزبه أو مع من سيتحالف معه. فلا مناص من التذكير بأنَّ عملية استمرار الحروب في الهامش الجنوبي (جبال النُّوبة)، والجنوب - الشرقي (النيل الأزرق)، والغربي (دارفور) ما هي إلا خطة لتفريغ تلك المناطق من سكانها الأصليين وإجبارهم على النزوح إلى المدن بينما يتم إحلال مكانهم بالموالين للأنظمة الظالمة في الخرطوم ليتحقق أمران: طمس هويتهم وبالتالي انتماؤهم للأرض وكينونتهم، وثم استغلالهم لاحقاً حالما أتى السلام "يمشي بقدمين أو طائر بجناحين". وما تصريح ياسر بضرورة "استمرار الكفاح المسلَّح المؤقت" دون سقف محدَّد، إلا السير في الاتجاه الخاطىء لأنّه سيزيد من عدد الهاربين والفارين من ويلات الحرب إلى أطراف المدن – وليس المدن، وهذا ما أشرنا إليه أنَّ هناك اهتمام ضيئل بالعواقب على الآخرين. وهذا بالضبط والربط ما عناه أحد أنصار ياسر أنَّ عدد النُّوبة في "الشمال" يتزايد فبلغ 2 مليون نسمة وأنَّهم جميعاً سيصوتون ضد حق تقرير المصير! والإقرار بهذا العدد في حد ذاته يثبت صحة نظرية تفريغ المنطقة من سكانها الأصليين، إذا كان المقصود بالشمال الموقع الجغرافي خارج جبال النُّوبة المعروفة تاريخيَّاً.

الرسالة السالبة الثانية التي ترسلها الجملة هي أنَّ هؤلاء غير مرغوب فيهم في المدن لأنَّهم يضايقون ويشكلون خطراً على سكانها الذين "لديهم قضايا كبيرة". فإذا كان ياسر يرى أنَّ ل"سكان المدن قضايا كبيرة" هل خطر بباله أَّنَّ سكان الهامش يعيشون حياة بائسة؟ وأنَّهم هم عمال المصانع، وطُلْبة في بناء العمارات العالية إلخ... وهم كذلك ممتهنو المهن المتواضعة لتوفير الحياة الرغدة لسكان المدن؟ لم يكن ياسر موفقاً أبداً بعدم الاعتذار حتى الآن بل راح يتمادى في تعميق الشقة بمعاداة الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان – شمال برئاسة الفريق عبد العزيز آدم الحلو، كما يظهر في التحركات الكثيرة لخلق تحالفات لا معنى لها لزعزعة الأوضاع في جبال النُّوبة، والنيل الأزرق ودارفور. مجمل القول هو أنَّ اتجاه ياسر بالتفريق بين "الهامش وسكان المدن" شبيه لما كتبه أحد عرَّابي النظام يومذاك بأنَّ طوقاً من حزام أسود يحيط بالخرطوم مما سبب عليها خطراً أمنياً. فقد كان ذلك العرَّاب يعني بلا شك أهل الهامش الذين أجبرتهم ظروف الحروبات في الجنوب، وجبال النُّوبة، والنيل الأزرق ودارفور للنزوح إلى عاصمتهم. فلا فرق بين هذا وذاك!

لقد رأينا في بند الكفاح المسلح في ورقة ياسر التي فصَّل فيها رؤية حركته تفصيلاً أنَّه استبعد الكفاح المسلَّح تماماً واعتبره "عنفاً يولد عنفاً مضاداً"، واتهم غريمه الفريق عبد العزيز الحلو أنَّه يستخف " بالعمل السلمي الجماهيري و"القوة الناعمة" و"اللاعنف فى مقارعة الأنظمة" وأنَّ الحركة الشعبيَّة بقيادة الحلو "حصرت نفسها بشكل كامل فى قضية الكفاح المسلح كوسيلة وحيدة". فضلاً عن أنَّ مالك عقار يذكر في ورقته أيضاً " أنَّ المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية دعامتان أساسيَّتان لرؤية السُّودان الجديد ولا يمكن تحقيقهما فقط من خلال الكفاح المسلَّح". كلام مكرَّر ولكنه نقيض لما يقومان به في الواقع. فمالك عقار لا يزال قائداً عاماً "للجيش الشعبي" وتم تعيين رئيس لهيئة الأركان. فالسؤال الأهم والذي يفرض نفسه هو أين هذا الجيش الجرار الذي له قائد عام ورئيس هيئة أركان ومع مَنْ سيشتبك؟ هل يخطط هذا الجيش لخوض معركة فاصلة مع الحركة الشعبيَّة/الجيش الشعبي لتحرير السُّودان – شمال، المرابط في جبال النُّوبة والنيل الأزرق بقيادة الحلو للقضاء على "المتمردين الانقلابيين الإثنيين والإقليميين المناطقيين" وإسقاط مزيد من الضحايا؟ ربما هذه هي الخطة إذ لا يغيب عن الأذهان أنَّ الذين انشقوا من الحركة الشعبيَّة في النيل الأزرق وانحازوا لمعسكر مالك عقار وياسر عرمان، قد لعبوا بالنار لتأجيج الصراع نيابة عن الخرطوم وهم يعلمون! وهذا الأمر لا يستقيم مع إقرار الحركة الجديدة بسلمية نضالها.

على أية حال، ومن تناقضات ياسر عرمان ومالك عقار في قضيتي الحرب والسلام، صدور بيانات تحالف مع جبهة دارفور وإسماعيل خميس جلاب. فتحالفهما مع جلاب بلا شك يدعو ظاهرياً أو علناً إلى "(...) توجيه بندقيتهم نحو نظام المؤتمر الوطني الغاشم"، و"(...) التنسيق في قضايا إسقاط النظام" كما ورد في النقطتين الرابعة والخامسة من بيان إعفاء "الرفيق عبد العزيز آدم الحلو من كافة مناصبه السابقة وصلاحياته"! علاوة على كل هذا لا يخفى عن الأعين بيان فتح "جبهة سياسيَّة وعسكريَّة وإدارة مدنيَّة في دارفور"! من هذين التحالفين يتضح جلياً، أنَّ الأحاديث والأقوال التي تدمغ عبد العزيز الحلو بأنَّه يجنح إلى الحرب مشكوك في صحتها ومردودة لأنَّ الواقع على الأرض مختلفٌ جداً. فعبد العزيز حالياً أمر جنوده في جميع جبهات القتال في جبال النُّوبة وجنوب النيل الأزرق بوقف إطلاق النار إلا في حال الدفاع عن النفس بينما عقار وياسر يعقدان تحالفات عسكريَّة، ولا ندري ضد من ستكون ضربتهم لأنَّ الخرطوم التزمت حتى الآن بوقف إطلاق النار. علاوة على إعلان الحركة الشعبيَّة/الجيش الشعبي لتحرير السُّودان – شمال، بقيادة الحلو، وفي إطار البحث عن السلام العادل، أوفدت قيادة الحلو وفداً رفيعاً للقاء اللجنة الأفريقيَّة الرفيعة المستوى للتباحث لاستئناف مفاوضات السلام في أقرب وقت ممكن، بينما الآخرون في بحث دائم عن تحالفات عسكريَّة، كما ذكرنا.

وما يدعو للحيرة الدعوة لضخ دماء جديدة في القيادة العليا للحركة بينما مالك عقار لم يبرح مكانه كرئيس للتنظيم المنشق، وترقية عرمان إلى نائب الرئيس، وترفيع إسماعيل خميس جلاب إلى منصب أمين عام، وهؤلاء من الرعيل "الأول" للحركة الشعبيَّة. كيف ينهون عن خلقٍ ويفعلونه؟ إنَّ الغائب عن الشعب السُّوداني هو كيف تمت هذه الهيكلة ومتى، علماً أنَّ الحركة الجديدة لم تعقد مؤتمراً عاماً بعد الدمج. بالطبع هذا الإجراء تم في سرية تامة عملاً بضرورة "تصعيد العمل السري لحزبهم وسط السُّودانيين في جميع أنحاء العالم (راجع بيان إعادة تشكيل المجلس القيادي للحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان – شمال الانتقالي، بدون تاريخ). مرة أخرى هذا نوع آخر من التناقض بين انفتاح حركتهم وسريتها، وما خفيَّ أعظم! لا بأس فياسر يعد نفسه ليكون رئيساً للحركة الجديدة لينزلق مالك عقار من مكانه، بحسب قراءتنا لقرائن الأحوال وتجارب الماضي، سيختار ياسر عرمان أميناً عاماً لحزبه وحينها سيكون المحك: هل سيسلمه كل ما يتعلَّق بملفات مفاوضات السلام، والمالية، وربط الأمين العام الجديد برموز علاقاته الخارجيَّةأم لا؟ الإجابة عن هذا السؤال متروكة للزمن. إلى هذا الحد أوضحنا كيف تجلَّت الانتهازية السالبة في العمل العام، والتناقض في الرسائل الموجهة للجمهور المستهدف، وتغيير المواقف والمبادىء، والخطاب العاطفي المزدوج "للاستقطاب الحاد" لبعض مكونات المجتمع. وهذا يقودنا في الحلقة القادمة إلى الحديث عن أبشع أنواع الاستغلال.

نواصل....



0 743 26/11/2017 - 03:43:35 AM طباعة

أضف تعليق

أحدث الفيديوهات
اعلانات
المتواجدون حاليا
ca   1 cn   1
ke   1 us   11
إستطلاع الرأى

Loading...

facebook
تفضيلات القُراء
-
جديد الصور
follow us on twitter