الإثنين 20 نوفمبر 2017 - 11:55 ص

سؤال تقرير المصير في واقع الدولة السودانية

سلمى التجاني

سلمى التجاني


سلمى التجاني

ينسب البعض عبارة ( الشيطان يكمن في التفاصيل ) للمهندس المعماري ألماني الولد لودفيغ ميس فان دير . في هندسة المعمار لا تُمثل التفاصيل معضلة ، فهو فن ٌوعلمٌ قائمٌ على الابتكار في التفصايل الصغيرة مع وجود أسسٍ متفقٍ عليها ، لكن عندما تدخل هذه العبارة في مجال السياسة تصبح مثاراً للجدل حول أصغر التعريفات والمسميات .
في السياسة السودانية وقتما يأتي الحديث عن أنواع الحكم ، تُطرح أنواعٌ مختلفة لكنها تشترك في سماتٍ عامة تجعلها شديدة التقارب من بعضها البعض ، من حكمٍ فيدرالي إلي ذاتي ، حتى نصل لشكلٍ مختلفٍ تماماً هو حق تقرير المصير .
ففي المؤتمر الاستثنائي للحركة الشعبية شمال ( مجموعة الفريق عبدالعزيز الحلو ) ، كان حق تقرير المصير أحد القضايا التي أثارت جدلاً بين المؤتمرين أنفسهم لكنه أُعتمد في وثائق المؤتمر كأحد مطالب الحركة الشعبية ، بينما في العام ٢٠١٤ تحدث الأمين العام للحركة الشعبية شمال ياسر عرمان ( قبل الإنقسام ) عن مطلب الحكم الذاتي للمنطقتين ، النيل الأزرق وجبال النوبة ، وقبل أيام ورد في البيان الختامي لمؤتمر أحد فصائل مؤتمر البجا ، مطلب الحكم الذاتي .
يُعرَّف الحكم الذاتي في القانون الدولي بأنه ( نظام لا مركزي مبني على أساس الإعتراف لأحد الأقاليم في الدولة بأنه مميز عن الآخرين عرقياً أو قومياً ما يؤهله يتمتع بدرجة من الإستقلال في إدارة شؤونه الداخلية تحت إشراف ورقابة السلطة المركزية في إطار الوحدة القانونية والسياسية للدولة ) ، وبالنظر لشكل الحكم القائم الآن بالسودان ، فهو نظرياً ، نظامٌ فيدرالي مع سوء التطبيق . والنظام الفدرالي من أهم أشكال الحكم في عالم اليوم تطبقه كثير من الدول بنجاح ، ووفقاً لتعريفه فتتقسم فيه السلطات دستورياً بين حكومة مركزية ( فدرالية ) ووحدات أصغر ( أقاليم ) يعتمد كل مستوىً على الآخر وتتقاسمان السيادة على الدولة . يتيح النظام الفدرالي لكل إقليم حكم نفسه في إطار الدولة الواحدة بمجالس تشريعية وحكومات إقليمية لها الحق في اتخاذ القرارات الإقتصادية والسياسية التي تتوافق مع خصوصيتها .
بهذا التعريف يصبح الحكم الفدرالي أكثر تقدماً من الحكم الذاتي ، فهو يمنح الوحدات الأصغر الحق في التشريع بما يتوافق وخصوصيتها ، وهو يتماشى على طبيعة السودان بتنوعه الثقافي والإثني وباتساع رقعته الجغرافية . في أي تطبيق رشيد للحكم الفيدرالي بالسودان ستتمكن الأقاليم من إبراز هويتها الثقافية وتدريس لغاتها والمحافظة على ارثها الحضاري وتنميته وتطويره ونقله للأجيال الجديدة ، ما يسهم في إتاحة الفرصة للهويات الإقليمية لتعبر عن نفسها في ظل هوية قومية للدولة ، دون أن ينقص ذلك من هويتها .
وهنا حريٌ بنا أن نتوقف عند تجربة متميزة ، وهي نظام الحكم في المملكة المتحدة . فبرغم من أنها تُحكم بنظام ملكي دستوري ، لكنه يمثل أرقى انواع الحكم الفيدرالي الذي يتجاوز الحكم الذاتي ويتميز عليه بعدة جوانب . مثلاً ، في مقاطتي اسكتلندا وايرلندا الشمالية حكومة بسلطات تنفيذية يقودها وزير أول ، وبرلمان بسلطات كبيرة في مجالات التعليم والرعاية الصحية والرقابة على الحكومة . شكَّلت طريقة الحكم هذه استقراراً عظيماً في المقاطعتين ، وعندما طالب عددٌ من الاسكتلنديون بالإستقلال لم تجد دعوتهم تجاوباً من الشعب الذي اختار الوجود ضمن المملكة المتحدة ، بعد قيام تصويتٍ حر في إستفتاء مشهود في العام 2014 م . وهنا تكمن مقومات نجاح الحكم الفيدرالي ، إذ يلبي طموحات الشعوب في الخصوصية وحكم نفسها بنفسها .
بصورةٍ أقرب ، وان أخذنا مقاطعة ويلز نموذجاً ، فهي مقاطعة ذات هوية ثقافية متميزة ، وبرغم وجودها ضمن المملكة المتحدة لكن أتاح لها نظام الحكم الحفاظ على خصوصيتها ، فاللغتين الويلزية والإنجليزية معاً تمثلان لغات رسمية للمقاطعة ، بحيث تتم المكاتبات باللغتين في ذات الوقت ، وتجد كل اللافتات للمؤسسات الحكومية والخاصة معرَّفة باللغتين ، مع كتابة اللغة الويلزية أولاً ، ويتم تدريس اللغة الأم برياض الأطفال وكمادة اختيارية ببعض المدارس ، مع قيام مؤسسات مجتمعية تشجع دراسة اللغة الويلزية بمنح مغرية . وللمقاطعة محطات للبث الإذاعي والتلفزيوني ، وأسواق عتيقة تخِّلد تاريخ المنطقة ، ونُصُب تذكارية منتشرة في كل مكان تعكس تاريخ ويلز . وبرغم مطالب الحكومات الويلزية المتعاقبة لصلاحيات أكبر ، لكنهم وبهذا الوضع المميز في المملكة المتحدة يصعب نجاح أي دعوات للإستقلال .
في السودان ومنذ أن استقلاله في العام 1956 م لم تتوفر الشروط الموضوعية للتراضي حول نظام حكم يتوافق وطبيعة البلد من حيث التنوع الثقافي والإثني والحضاري بشكل عام ، ولا يحدث ذلك في ظل الحروب والنزاعات ، فالشعوب تقرر مصيرها بعد ان تجرِّب الحياة المشتركة المستقرة ، المحكومة بالدساتير ، في وجود نظمٍ ديموقراطية ، لذلك الحديث عن تقرير المصير ، برغم أنه حق كفلته المواثيق الدولية ، لكنه يأتي الآن كأنه حرقٌ للمراحل ، والسماح لمرارات ومظالم الماضي والحاضر بأن تتحكم في خياراتنا، والتعجيل بقطع أواصر الوحدة بين مكونات شعب قد يختار أن يعيش معاً ، إن أُتيحت له سانحة حكم نفسه بنفسه داخل إطار الدولة الواحدة ، ويتجنَّب مصير دولٍ وليدة استقلت وما لبثت أن دخلت في نزاعات داخلية هددت وجودها كما يحدث في دولة جنوب السودان .
إن كان من الممكن لكل أقاليم السودان ، وفي ظل دولة تقوم على أساس المواطنة والحقوق المتساوية ، أن تحكم نفسها بنظامٍ فدرالي ، تشرِّع قوانينها بما يتماشى وخصوصياتها ، تدرِّس لغاتها الأم لأبنائها وتعكس ثرائها وتنوعها وتحتفي بأبطالها وتاريخها وتنوعها ، ضمن الدولةٍ الواحدة ، ما الذي يدفعها للمغامرة بالمطالبة بحق تقرير المصير .
وبالنظر لتجارب الفدرالية الناجحة في العالم ، ولتجربة انفصال جنوب السودان التي إنقسم فيها شعبين متداخلين على المستوى الإجتماعي ، وعمليات اجتثاث أواصر أزلية لمكونات إجتماعية موزعة على كل أرجاء السودان ، إرتبطت حياتها بالمناطق التي عاشت فيها لعشرات السنين ، يبقى نظام الحكم الفدرالي الذي ضمنت فيه المشورة الشعبية للمنطقتين صلاحيات أوسع ، هو النموذج الأمثل . وحينما ترسي هذه المناطق تجاربها في الحكم وتتوفر فيها التنمية والإستقرار ، حينها يمكن لكل لمواطنيها أن يختاروا شكل الحكم الذي يناسبهم .



2 428 07/11/2017 - 12:19:41 AM طباعة

  • بواسطة : Kori Ackonuge

    07/11/2017 - 06:52:18 AM

    Sister, You are just looking and concentrating on the resources of the two regions, especially the NMR/SKR, not the context of why Self-Determination is so important in the case of the Sudan, unsolvable chronic complexities of racial superiority thinking and the creed governance dimension based on cultural and religious purity complex, as what always all the central minded racial mind set has been noticed. If the people not respect the identity of others, what can the Self-Rule (Autonomy can do to them to conserve these rights, while they are still under the tyranny of the Central Arab-Islamic State?) Which will never ever change its mind, shape and understandings at all of what others have had to be like them and even to rule them. theories and philosophies remain idealistic, but not realistically can be admitted and the model of democratic accepted changes from the point of view as (Unity in Diversity Governance and Rule of Law Rights, never ever to happen in this country called Old Sudan, and even not to happen easily in what they call it predicting the New Sudan System of Governance and Living Conditions. They are just consumed appetitive dreams and noble wishes not more at all, let the separation happen peacefully and when the coming generations on both sides review in the long term history times and see that the importance of reunification can be there, then new standardized characterized methods of justice rule can be sorted out by them and new treaties of reunifications be there adhere to constitutionally and morally.
  • بواسطة : د. قندول إبراهيم قندول

    07/11/2017 - 07:57:58 PM

    الموضوع متزن ومنطقي إلا أنَّ الجزئية الخاصة بالمشورة لأنَّها أصبحت في خبر كان. المطالبة بممارسة حق تقرير المصير مشروط بجدية أية حكومة مركزية بالالتزام بتطبيق الفيدرالية بالصورة التي أوضحتيها.
أضف تعليق

أحدث الفيديوهات
اعلانات
المتواجدون حاليا
cn   1 eg   1
fr   1 sd   3
unknown   3 us   7
إستطلاع الرأى

Loading...

facebook
تفضيلات القُراء
-
جديد الصور
follow us on twitter