الإثنين 20 نوفمبر 2017 - 11:56 ص

كشف المستور في شخصية عرمان (2)

د. قندول إبراهيم قندول

د. قندول إبراهيم قندول


كشف المستور في شخصية عرمان (2)

الدكتور قندول إبراهيم قندول

Gandul1@msn.com

في المقابلة إياها ذكر ياسر عرمان أنَّ عرض التنازل ما يزال قائماً لتقويم ما أفسده بنفسه ومالك عقار.  ولكننا نقول إنَّ العرض أضحى بضاعة خاسرة، و"مات وشبع من الموت"، إلا إذا بادر هو – ونحن نشك في ذلك – بالتنازل.  أما الفريق عبد العزيز الحلو، رئيس الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان – شمال، المنتخب غير معني بما ينادي به ياسر أو ما قد يفعله لترميم علاقاته مع قيادة الحركة الجديدة وجماهيرها التي أهانها.  على أية حال، فبدون مقدمة عرج ياسر عرمان بعد التصريح الداوي ليعلن بالقول حرفيَّاً: "نعمل الآن لتجديد رؤيتنا وتنظيمنا لكي ننفتح على الحقائق الجديدة وننفتح على القوى السياسيَّة الأخرى".  فلنسأل سلسلة من التساؤلات: ما هو التنظيم الذي يريد ياسر تجديده وتحديث رؤيته، وما هي هذه الرؤية؟ إذا كان يقصد الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان وجيشها بلفظة "تنظيمنا"، فألم تكن الحركة مفتوحة من ذي قبل لكل أبناء السُّودان ومنفتحة على القوى السياسيَّة السُّودانيَّة الأخرى، وعلى المحيطين الإقليمي والعالمي؟ أوليس ذاك الانفتاح هو الذي أتاح ووفَّر لياسر عرمان الأرضية الصلبة لبناء إمبراطورية قوته التي بها جال ويجول ويقابل من يشاء دون أن تُغلق أمامه مداخل أو منافذ الدخول إلى والخروج من بلدان العالم واللقاء بمن يشاء من ممثلي الحكومات أو المنظمات بمسمياتها المختلفة باسم الحركة الشعبيَّة ممثلاً للمنطقتين؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي – مجازاً - فمَنْ هو السبب في انغلاقها داخلياً أو خارجيَّاً حت يأتي ياسر في الوقت الحرج من تاريخ السُّودان ليقول إنَّه يريد "حركة منفتحة"؟ 

داخليَّاً نعلم ويعلم ياسر جيِّداً أنَّ الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان – شمال عضو فاعل في "نداء السُّودان"، و"الجبهة الثوريَّة" و"قوى الاجماع الوطني والمعارضة" لأنَّه أحد مهندسي تلك العلاقة رغم بروز كثير من الخلافات وعدم الانسجام بين قادة هذه التنظيمات؛ ومن طرِف العبارات المستطرفة حقاً قول ياسر: "ونطوِّر تنظيمنا في سياسة وإستراتيجية وحيدة، هي توحيد السُّودان وفق رؤية السُّودان الجديد ولا نذهب أي مذهب آخر غير الوحدة".  رؤية السُّودان الجديد ركن أساسي وإرث من الأدبيات التي قامت عليها فلسفة الحركة الشعبيَّة المعروفة للجميع، الوحدة الطوعيَّة - لا القسرية - لكل أقاليم السُّودان، إلا إذا أصرَّ أصحاب البنايات العالية والمنازل الزجاجيَّة في أعماق بعض أحياء بعينها داخل العاصمة المثلثة للسُّودان ممارسة سياسة السيِّد والمسود التي أدمنوها، ومواصلتهم رمي الآخرين بالحجارة تجسيداً لمفاهيم السُّودان القديم.  فحين يقول ياسر بأنَّه يريد توحيد السُّودان هل يعني جمهوريتي السُّودان وجنوب السُّودان؟  إذا كانت الإجابة بالإيجاب، ألم يكن الشماليون أنفسهم سبباً مباشراً في انفصال الجنوب بتعاملهم الفظ للجنوبيين مع وجود روابط دموية معهم، ومع النُّوبة وغيرهم من شعوب السُّودان الأصيلة، أي أنَّ حبوباتهم من الجنوب؟ بلى!

على أية حال، ما نعلمه علم اليقين هو أن المتبقى من السُّودان واحد وسيظل واحداً إلا إذا أصرت النُخب الحاكمة والذين سيأتون من بعدهم تمادي ممارسة نفس العقلية الانفصاليَّة.  ففي هذا الجانب ليس هناك قولاً أوضح مما كتبه الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان في كتابه المعنوَّن: انفصال جنوب السُودان ودور مسؤلية القوى السياسيَّة الشماليَّة، وسلسلة مقالاته الستة التي لخَّص فيها الكتاب رداً على إصرار بعض الشماليين في انكار مسؤولياتهم ونقدهم غير المنطقي للكتاب.  فالكتاب والمقالات يعطيان بُعداً وعمقاً لفهم الروح الانفصاليَّة في وجدان بعض الشماليين أو قُل الأحزاب الشماليَّة بلا استثناء، العقائديَّة منها والتي تدعي التقدُّمية كما ظهر جليَّاً في كتابات بعض كتابها ومثقفيها وعلمائها في الآونة الأخيرة.  فما يقوم به ياسر ما هو إلا تلاعباً حقيقيَّاً بالكلمات، والمفردات والألفاظ البراقة التي يحسبها المرء ماء ينفع الناس ولكنها في الحقيقة زَبَداً رابياً لا نفع فيه، وهو ذاهبٌ هباءً منثوراً!

إذن، الواقع الذي ينكره ويخفيه ياسر عن الشعب السُّوداني والجماهير المؤمنة والمخلصة لمبادىء الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان – شمال، ويملأ الأثير والأسافير بالتصريحات، هو عمله الدؤوب لميلاد حزب جديد منذ أمد بعيد (وليس ميلا ثانٍ للحركة الشعبيَّة)، ثم إزداد نشاطاً أكثر في العام2011م، أي قبيل انفصال الجنوب.  ولكنه قد غيرَّ وبدَّل موقفه حسب متغيرات الأحوال، وصرف النظر عن الحزب المستور حالما تتوفَّر الظروف والأرضية المناسبة، وتشبث بالحركة الشعبيَّة بعدما أقالته من الأمانة العامة أخيراً وسحبت من يديه أهم الملفات التي لا يعلم ما بداخلها من التفاصيل الدقيقة إلا هو.  فالحزب الذي كان يعمل ياسر لإنشائه، وللذين لا يعلمون، هو حزب "الحركة الشعبيَّة للديمقراطيَّة والمواطنة".  فالتجديد والتطوير اللذين يشير إليهما ياسر كان من الممكن القيام بهما عندما كان في القيادة التي فشلت في النهوض بالحركة الشعبيَّة لتحقيق أهدافها السامية.  فعندما كان ياسر ذا بأس وسلطة على الكل جنَّب عنه من يشاء وعزل من لا ينسجم مزاجه معه، وعامل بالحسنى من رضي ويرضى عنه وأحسن وفادته لسببٍ أو لآخر (سنتطرَّق لهذا لاحقاً).

فالاعترافات بالأخطاء التي عدّدها ياسر في ورقته التي ذكرها في اللقاء التفلزيوني تؤكد أنَّ الرجل كان مستعداً للظهور في العلن بتنظيمه وإلا كيف تفسَّر البنود الأربعة وأربعين (44) والتي ظهرت بعد سبعة أشهر ونيف من المفاصلة مقارنة بعجزه التام في الإصلاح التنظيمي الذي نادت به غالبية أعضاء الحركة الشعبيَّة وبضرورة التصحيح من داخل منظومتها خلال أكثر من ست سنوات ولم يعيرها أدنى اهتمام إلا بعدما "وقعت الفأس في الرأس؟".  فالأقوال الثلاثة التي افتتح بها ياسر ورقته المعنوَّنة بـ" نحو ميلادٍ ثانٍ لـرؤية السُّودان الجديد: قضايا التحرُّر الوطني فى عالم اليوم"، متناقضة تماماً مع أفعاله قبل إقالته لتهاونه واستهزائه بمطالبات رفاقه السابقين بلتغيير التصحيحي.  فالورقة رغم ما بها من تلميحات بالاعترافات عن أخطاء الماضي، إلا أنَّها في مجملها خطاب سياسي طويل وليست ببرنامج عمل.  وللأسف الأسيف مضى ياسر يرجِّع "أخطاء اليوم فى بعض جوانبها إلى أيام الدكتور جون قرنق".  إذا كان ذلك صحيحاً، أين كنت منذ رحيله حين أُتيحت لك الفرصة وبصورة أكثر من أي شخص آخر بحسب علاقاتك المتميِّزة مع وقربك للراحل الدكتور قرنق وللمعلِّم يوسف كوة مكي لتصحيح تلك الأخطاء؟  فالدكتور قرنق كان يهتم ويأمل فيكم ويعول عليكم الكثير كونكم من الشماليين القليلين في صفوف الحركة الشعبيَّة.  ولكن الغريب في الأمر أنّكم ثرتم على الذين اعترفوا بتلك الأخطاء وعزموا الثورة عليها تصحيحاً للمسار الذي إنزلق بإيثار أو تفضيل مجموعة من الثوار القدامى والتحالف العضوي وليس الإستراتيجي مع أعداء مشروع السُّودان الجديد.  فما الجديد، إذن؟

الجديد أنَّ ياسراً عكف وكرَّس وقته في إنشاء الحزب الجديد بقراءة مسودة المنفستو والدستور الخاص به مبدياً ملاحظاته حول بعض النقاط التي لا تنسجم مع مزاجه الشخصي.  فقد كتب من ضاحية أركويت بالخرطوم في 18 مايو 2011م  عدة ملاحظات مساهمة منه للجنة دستور الحزب وتحديداً للدكتور الواثق كمير الذي – ربما - كان مسؤلاً عن ورئيساً للجنة كتابة ذلك الدستور. هنا لا مناص من الإشارة إلى الأدوار الإيجابيَّة للمرحوم الدكتور عبد الماجد علي الحبوب (بوب).  لقد أبدى الدكتور بوب تحفظاً لمسعى ياسر لإنشاء الحزب الجديد عندما تمت استشارته للإدلاء برأيه وتقديم بعض النصائح حول المقترح.  نعتقد أنَّ الدكتور بوب (والله أعلم بمقاصده) وقف على الجانب الصحيح من التاريخ إذ رد كتابةً على طلب الدكتور الواثق كمير قائلاً: "بالرغم من إدراكي لحصرية المواضيع التى طلبت مني تقديم مقترحات بخصوصها، لم أجد بداً من التطرُّق لمجمل القضايا التى تتعلَّق ببناء تنطيم سياسي فى ظروف شديدة التعقيد.  جانب منها يتعلَّق بمسعاكم لإقامة حزب سياسى بالاستناد على إرث الحركة الشعبية".  ثم ذهب الدكتور بوب يعدِّد مآخذه التي بلغت سبع نقاطٍ جياد، بالدراسة والتحليل والاستنتاج.  منها أنَّه كان يرى من الضروري الاهتمام بآراء لفيف من الأكاديميين والسياسيين السُّودانيين الذين أبدوا استعدادهم للمشاركة فى وضع برنامج عمل للحركة بعد توقيع اتفاقية نيفاشا غير أَّنَّ قيادة الحركة لم تهتم بمسألة البرنامج فانصرفوا – أي طبقة العلماء السياسيين وأهل المعرفة والفكر.  نعتقد أنَّ في هذه الملاحظة إيحاء بضرورة إشراك هذه النخبة المتعلِّمة، ولكن لا حياة لمن تنادي.  وفي نقطة ثانية ذكر الدكتور بوب ناصحاً المستَشِيرين: "أعتقد من الأجدى أن تتريثوا فى مسألة العلاقة السياسيَّة مع الحركة الشعبيَّة فى دولة الجنوب باعتبار تغيُّر الدور الذى ستضطلع به الحركة قريباً "كحزب حاكم".  وفي نقطة ثالثة قال بوب راشداً قادة الحركة الشماليين: "(...) يتعيَّن عليكم الإقرار بأنَّ الزخم الهائل من التأييد للحركة الشعبيَّة باعتبارها الوريث الشرعي لشعار السُّودان الجديد قد انحسر بقدر كبير بعد موت الدكتور قرنق، وبسبب مواقف قيادة الحركة الشعبية (الجنوبيَّة) غير المثابرة من مطالب المناطق المهمَّشة، وقضايا التحالف الثابت مع القوى السياسيَّة في الشمال (...). 

نعتقد أنَّ الدكتور بوب كان يشير إلى ميل بعض قادة الحركة الجنوبيين لفصل الجنوب عن الشمال، وتعاظم نداءات بعض أهل الشمال بحتمية فصل الشمال الذي خسر كثيراً من الجنوب "المستفيد" حسب زعمهم، عن الجنوب!  لقد كان ياسر عرمان وقتذاك نائباً للسيد باقان أموم الأمين العام للحركة (الأم)، والكل يعلم تشاكس الاثنين، وتبرُّم أموم الواضح من ياسر مع أنَّهما كانا في خانة "أولاد قرنق" كما يحلو للشامتين مناداة كل من تأثر تأثيراً بليغاً بشخصية الدكتور جون قرنق وأفكاره الخالدة.  لقد طُويت تلك الملاحظات والنصائح القيِّمة من رجلٍ في قامة الدكتور بوب وأُودعت في الأدراج والرفوف لتستخدم في وقت المسغبة والتناحر اللا عقلاني. 

فعندما سُئل ياسر في اللقاء متى بدأ البرنامج الجديد للوحدة تحاشى الإجابة عن الوقت الذي بدأ فيه البرنامج، واختار أسهل الطرق بالنسبة إليه: الكيفيَّة أو بماذا بدأ البرنامج ليقول:"(...) بدأ هذا البرنامج بورقتين.  ورقة قدَّمها رئيس الحركة والثانية طرحتُها ولدينا ورقة ثالثة نعمل فيها مع المثقفين والعلماء السُّودانيين لتوضيح أي شيء تهدف إليه رؤية السُّودان الجديد فيما يتعلَّق بنظام الحكم، والدستور، والتعليم، والصحة حتى تمشي رؤية السُّودان الجديد في الأسواق"!  نقول بكل ثقة أو بدون مواربة إنَّ رؤية السُّودان الجديد لا تحتاج للتوضيح وإنَّما إلى المصداقية في التنفيذ والتي بدورها تحتاج للأمانة التاريخيَّة بالعمل معاً لتحقيق الأهداف.  فإذا سلمنا أنَّ ورقة المثقفين والعلماء جاءت أو ستأتي لتوضيح الرؤية فما هي تلك الرؤية وكيف تختلف عن الإرث والمبادىء العامة للحركة الشعبيَّة التي أشار إليها الدكتور بوب؟ بالله ما هو الجديد فيما يخص المواضيع المذكورة أعلاه غير تعابير دون معنى كـ"المشي على قدمين في الأسواق" كأنَّنا في الزمن الغابر – لا نقول زمن الجاهلية الأولى - وليس عصر العولمة.

نختم بأنَّ عرض التنازل عن القيادة الذي قدَّمه ياسر ومالك غير مجدٍ والحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان – شمال بقيادتها السياسيَّة والمدنيَّة، والقيادة العسكريَّة في جبهة القتال غير معنية به في الوقت الحاضر. المساعي الحميدة للتوحُّد – في رأيي الشخصي – ممكنة بشرط اعتذار ياسر عرمان عما ذكره في اللقاء، وكذلك ينبغي اعتذاره ومالك عقار عما حدث في صفوف الحركة والاقتتال الذي وقع في النيل الأزرق وراحت فيه أرواح بريئة على رأسها العميد علي بندر السيسي الذي كان سجيناً في رئاسة مالك عقار نتيجة للتعنُّت وعدم إعمال صوت العقل.  فالسيسي لم يرتكب جريمة غير أنَّه طالب بالإصلاح التنظيمي والهيكلي في الحركة بدلاً عن السياسة الدكتاتورية التي اتبعها الرجلان في تسيير شئون التنظيم في الوقت الذي كان فيه رفيقهما الحلو مشغولاً بصد الحملات الصيفيَّة التي كان يسيِّرها نظام الخرطوم للقضاء على الجيش الشعبي لتحرير السودان - شمال طيلة السنوات االسبعة الماضية.  كان يتوجَّب على ياسر وعقار تسمية تنظيمهما ورؤيتهما بعيداً عن إرث الحركة الشعبيَّة التي تقوم الآن بعملية إصلاح عام لهياكل مؤسساتها الداخلية والخارجيَّة والعمل لتحقيق مشروع السُّودان الجديد الذي الذي نادى به القائد الدكتور جون قرنق دي مبيور ورفاقه منذ إنشاء الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان عام 1983م.

نوصل....



0 459 05/11/2017 - 09:40:19 PM طباعة

أضف تعليق

أحدث الفيديوهات
اعلانات
المتواجدون حاليا
cn   1 eg   1
fr   1 sd   3
unknown   3 us   7
إستطلاع الرأى

Loading...

facebook
تفضيلات القُراء
-
جديد الصور
follow us on twitter