الخميس 19 أكتوبر 2017 - 12:43 م

الوافدون* ، النوبة الجدد و مطلب تقرير المصير(رد على بريمة محمد البقارى و المستعربين الجدد) (1)

ادريس النور شالو

ادريس النور شالو


 

الوافدون* ، النوبة الجدد و مطلب تقرير المصير(رد على بريمة محمد البقارى و المستعربين الجدد) (1)

shaluka1956@yahoo.com

بقلم: كموكى شالوكا

(الوافدون * فى صدر عنوان المقال اعنى بهم الكيانات التى وفدت من غرب افريقيا و شمال السودان و استقرت فى اقليم جبال النوبة فى مراحل مختلفة من التاريخ و اصبحوا ضمن النسيج و التركيبة السكانية للاقليم ، و يشملون مجموعات البقارة ببطونهم المختلفة ، الفلاتة ، الجلابة ، و غيرهم) .

**********

أثار مطلب حق تقرير المصير الذى نادى به مجلس تحرير اقليم جبال النوبة الكثير من الجدل بين مكونات اقليم جبال النوبة حول مفهومه و مآله ان تم ممارسته ، و لم يقتصر الجدل على مكونات مجتمع الاقليم بل ايضا النخبة الحاكمة و سدنتها و هى كما نعرف سلطة مهيمنة و مستبدة و قامعة وهى التى تقف وراء اغلب دعوات الرفض و انكار حق تقرير المصير . لكن ما يدعو للحيرة حقا هو موقف (بعض) اخوتنا فى الاقليم و الذين اشير اليهم بالوافدين ، ليس للتفريق بين مكونات الاقليم ، بل ان بعضهم قد وضعوا يدهم فى يد سلطة ظالمة و رضوا ان يكونوا وكلائه فى المنطقة فى تنفيذ جرائمه وفى البطش و الابادة و كافة صنوف التطهير العرقى ضد اثنية النوبة فى الاقليم .

فقبل حين كتب الدكتور/احمد الحسب عمر مقالا بعنوان : الحكم الذاتى/تقرير المصير ، ردة سياسية ام تكتيك مرحلى ، ادعى فيه تطور اجندة (ابناء النوبة) فى الحركة الشعبية فى المطالبة بمنح الاقليم حكما ذاتيا فى اطار صفقة سياسية جديدة ، و بغير ذلك منح الاقليم حق تقرير المصير ، و تسائل ماذا يريد ابناء النوبة بالضبط من تبنى دعوة الحكم الذاتى قد يتطور الى انفصال كامل الدسم !! و استحث الكاتب الاثنيات الاخرى الذين قال انهم يشكلون الاغلبية فى الاقليم و هم الحوازمة ، البى بى أف (برنو ، برقو ، فلاتة) الدافوريون و الجلابة الى الوقوف و التصدى للاجندة التى توهمها .

وكذلك كتب بريمه محمد ادم بلل البقارى مقالا بعنوان : النوبة الجدد و اختلافهم الثقافى ادعى فيه انها محاولة للتعريف بالغير ولكنه فى الحقيقة يسعى لمحاربة الحركة الشعبية لتحرير السودان مشروعا و من يؤمن بفكرها ، و مقالات من آخرين تنحو نفس المنحى بأسئلة من شاكلة : من هو المواطن الذى يحق له الاقتراع لتقرير مصير جبال النوبة ؟ ماهى حدود جبال النوبة ؟ و هل يشمل منطقة شرق الجبال؟ هل يحق (لعرب) البقارة و غيرهم المقيمون فى جبال النوبة الغربية بالاقتراع؟ و هل يحق لأبناء قبائل البحر الذين يقيمون فى جبال النوبة الغربية منذ اجدادهم بالاقتراع . والاسئلة هى تساؤلات متعلقة بحقوق مناطها المواطنة ، وهى بطبيعتها تقنية يمكن ايجاد اجابة لها فى التشريع المنظم للاستفتاء ، اللهم الا اذا كان وراء مثل هذه التساؤلات مقصد اخر . ما يلفت الانتباه التوصيف الاثنى للمسألة فى هذه المقالات ، و المسميات ذات الدلالات و المعانى مثل "منطقة شرق الجبال" او " جبال النوبة الغربية" التى لم تكن معروفة تأريخيا مثل ما نعرف "ريفى شمال الجبال" أو "ريفى جنوب الجبال" .

هذه نماذج فقط مما يعج به كتابات الوافدين للاقليم و غيرهم ، و قد تكفل الدكتور/ قندول ابراهيم قندول بالرد على الدكتور/ احمد الحسب ردا حاسما وضحت الحقائق و المواقف بما ليس فيه مزيد .

ونأتى لمقالات بريمة البقارى ، فقد سطر ست مقالات استهلها بالاتى:(ليس من السهل قراءة الخارطة الجديدة بعد احداث "الانقلاب" داخل الحركة الشعبية الذى فجره القائد عبدالعزيز ادم الحلو باستقالته المسببة .....) ، ومن جانبنا ليس من العسير قراءة ومعرفة فى أى ضفة يقف الكاتب و بالتالى فى اى اتجاه يصوب رماحه . لقد بدأ فى وصف شأن داخلى للحركة الشعبية لتحرير السودان بأنه انقلاب و طفق يرسم ثنائيات للقاعدة الاجتماعية الاكبر للحركة الشعبية فى جبال النوبة ب: النوبة الجدد/نوبة مستعربة، نوبة جنوبيين/ نوبة جلابة ، أميين جهلة/متعلمين مستنيرين ، وجعل تطلعات كل منهم مغايرة للاخر والذى سيصير صراعا نوبويا فى ختامه كما توهم . و انتقل ليقول ان النوبة الجدد قد اضعفوا مسيرة نضال النوبة خاصة و الحركة الشعبية عموما و انهم هم من خربوا علاقات الحركة مع حركات دارفور و غيرها من الترهات ، وفى محاولة من الكاتب لضرب النسيج الاجتماعى فى الاقليم أتى من مدخل الانثروبولوجيا متوهما اختلافات بين المجموعات القبائلية للنوبة وانهم ليسو كيانا واحدا و ليس ثمة قضية تجمعهم ، هذا بالطبع تفكير رغبوى للكاتب يعشم ان يتحقق لكن هيهات. يجدر بالكاتب النظر فى ما يجمع فى كيان واحد قحاح العرب فى الجزيرة و الشام مع مستعربى السودان و جبال النوبة و دارفور و حتى مع من نظنهم اكثر عروبة من غيرهم و ما يلاقونه عندما يعبرون البحر او عندما يذهبون ارض الكنانة ، اكثر بلاد الارض ثقافة و قبولا للاخر. ما الذى يجعل غير العرب عربا اذا كان وعلى سبيل المثال اكبر الشعوب سطوة و ثروة كالذين يعيش الكاتب بين ظهرانيهم – امريكا- امريكان و ليس انجليز ؟؟؟

و لأن هدف الكاتب بالاساس هو الحركة الشعبية لتحرير السودان و الترويج بما يسميه "الحركة الشعبية الجديدة" ، فكان ان صعد هجومه على الرمز الذى يمثلها و هو الرفيق/ عبدالعزيز ادم الحلو ، فقد نعته انه من قاد الانقلاب و خلق فتنة فى النيل الازرق بين مكوناته الاثنية و نفى خصومه ثم قام بطرد رئيس الحركة و الامين العام بالرغم من قبولهما من جموع مثقفى النوبة حسب زعمه ، وانه فعل كل ذلك لصالح اجندته السياسية . كل ما ردده الكاتب مجرد اكاذيب و تزييف للحقائق و محاولة مثلومة للطعن فى رؤية الحركة الشعبية لتحرير السودان ، فالكاتب ينطلق من ايديولوجية المركز الاسلاموعروبى التى لا تقبل بالاخر و تسعى الى الهيمنة و الاستيعاب أو قمع الاخر المختلف معه سواء سياسيا او دينيا او ثقافيا او اثنيا والقضاء عليه ماديا و معنويا ، و لذلك بادر فى صدر مقالاته الى دمغ الحركة الشعبية لتحرير السودان "بالشعوبية" ،كما حاول استمالة بعض النوبة الذين اختاروا ان يكونوا فى الجانب الخطأ- جانب الجلاد- و بعض من تولوا وجهة اخرى و من أعياهم النضال فاصبحوا يبحثون عن مرسى لهم ، فى سعى محموم للنيل من الحركة الشعبية و رؤيتها التى تنادى بالمساواة و العدالة و الحرية ، فما هى هذه الشعوبية ؟

الشعوبية هى حركة فكرية سياسية اجتماعية نشأت فى المجمتع الاسلامى ، و قد ظهرت بادئ الامر فى العصر الاموى و اتسع نطاقها فى العصر العباسى حيث تسنم الموالى المواقع الرفيعة فى الدولة - والموالى هم من غير العرب الذين دخلوا الاسلام – و لانهم كانوا من قوميات ذوو حضارة راسخة كالفرس فقد ظهر الفرق بينهم و العرب و ذلك نسبة لتفوقهم فى كافة المجالات كالتفسير والأدب و الشعر و التاريخ و كثير من الفنون . نادت الشعوبية بالمساواة و استندت فى حجتها على الأية الكريمة : (يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر و انثى و جعلناكم شعوبا و قبائلا لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله خبير بصير) . اعتبر العرب ان الشعوبية دعوة مضادة لهم وانها تتستر بالدين وأنها تقوم فى جوهرها على مناهضة العرب قبيلة و قومية و امة و شعبا ووطنا و دولة و حضارة ، و تقوم بمحاربة العرب و تأليب الخصوم والاعداء عليهم فى كل مكان . الشعوبية حركة نشأت فى سياق تاريخى و اجتماعى محدد و يتم أستدعاها دوما لتكون سيفا مسلطا على كل مختلف و اخر .

و من جانب اخر ، الحركة الشعبية لتحرير السودان انطلقت من واقع السودان المتنوع تاريخا و حاضرا و تدعو الى المساواة و الحرية و تسعى لبناء وطن ديمقراطى ونظام حكم علمانى يتساوى فيه الجميع بغض النظر عن اختلافاتهم و تنوعهم . ولأن الكاتب ممثل لنظام اقصائى و استبعادى فالمنادة بالمساواة عنده هى شعوبية و رفض للعربى ان يكون حاكما على غيره حتى ان كان يفوقه كفاءة و علما ، و انتقاد العربى لعدم اهليته استعلاء اثنى وعنصرية ، والمطالبة بنظام حكم يستوعب الجميع (دغمسة) وتشويه لمبادئ الاسلام و الحضارة العربية ، وهكذا اراد الاخ البقارى ايصال رسالته.

و نأتى لمطلب حق تقرير المصير الذى اثار الجدل و ربما المخاوف للوافدين ، فالدعوة لحق تقرير المصير يملك فيه كل مكونات الاقليم الحق فى الادلاء بالرأى فيه ، كل الذين تحدثوا عن هذا الحق باشفاق و جزع غير مبرر لو استرجعوا تاريخ الاقليم لبان لهم ان هذا المطلب ظل فى اجندة القوى السياسية للاقليم منذ القرن الماضى ، فمنذ الكتلة السوداء ، اتحاد عام جبال النوبة ، الحزب القومى السودانى و اخيرا الحركة الشعبية لتحرير السودان كان المطلب حاضرا ، اذن فالهلع هنا ليس هناك ما يبرره . لقد كرست الانظمة المتعاقبة مفهوم ان حق تقرير المصير يعنى الانفصال كما فعلوا بمطلب الجنوبيين فى الحكم الفيدرالى فى الخمسينيات الذى كان شرطا لتأمين الاستقلال من داخل البرلمان ، فحق تقرير المصير يعنى باختصار الحق فى الاختيار الحر للنظام السياسى او الاقتصادى او الثقافى المرغوب فيه . أما الانفصال فهو احد الخيارات ضمن خيارات اخرى عند ممارسة حق تقرير المصير ، ومن يدعى ان تقرير المصير يعنى الانفصال فحسب فهو جاهل او ذو غرض فى تجهيل الاخرين .

حق تقرير المصير عندما تطور من "مبدأ" فى القانون الدولى الى "حق" له مظهران : مظهر داخلى و اخر خارجى ، المظهر الداخلى يتمثل فى الحكم الاقليمى ، الحكم الذاتى ، الحكم الفيدرالى و الحكم الكونفيدرالى و هذه كلها انماط من الحكم داخل الدولة الواحدة و لا يرد الانفصال و الاستقلال هنا مطلقا . اما المظهر الخارجى فهنا فقط يتمثل ممارسة حق تقرير المصير فى الانفصال و الاستقلال بدولة ذات سيادة او الخيار فى الاندماج فى دولة اخرى .

النضال من اجل خصوصية الاقليم لم ينقطع منذ ستينات القرن الماضى حتى توج ذلك صراحة بالمطالبة بحق تقرير المصير فى مؤتمر كاودا فى ديسمبر 2002 ، و لم يتغير هذا الموقف ابدا ، ففى عام 2005 بعيد توقيع اتفافية الشلام الشامل عندما تبين ان الاتفاقية نصت على حق جنوب السودان دون سائر شعوب السودان فى تقرير مصيره بالاستفتاء بين الوحدة او الانفصال ، تتداعى كل النوبة و كل قبائل الاقليم فى مؤتمر كاودا الثانى فى ابريل من عام 2005 وتم تقييم اتفاقية السلام الشامل فكان من اقوى الانتقادات التى وجهت للاتفاقية هو عدم تضمين حق تقرير المصير لاقليم جبال النوبة و بقية شعوب السودان و اقتصر فقط على نص غامض يقضى باجراء مشورة شعبية فى الاقليم .

الدعوة لحق تقرير المصير لم يأت من فراغ ، لكنه مرتبط بالخلل المركزى فى الفشل فى ابتداع دولة استيعابية تبسط حمايتها على كل مكونات الدولة وتعمل على ادارة تنوع البلاد بحياد . الدولة الراهنة استحوذت على السلطة وتستند على ايديولوجية منحازة دينيا و اثنيا و ثقافيا أقصت المكونات الاخرى فى البلاد لكى تحافظ على امتيازاتها الموروثة بداية من وكالة الجلابة الاوائل الاتراك فى استرقاق السودانيين مرورا باعلان انتماء السودان للمنظومة العربية فى الستينات وانتهاء باستغلال المستعربين الجدد فى ترسيخ و حماية ايديواوجيتها غير الوطنية ، عليه فان اية قراءة موضوعية لمطلب حق تقرير المصير تبين ان ليس من المطالب تفكيك السودان الذى تبقى ، ما نناضل من اجله هو انهاء هيمنة سياسية و ثقافية و اقتصادية و اجتماعية لها جذور فى التاريخ يصر مستعربى السودان على عدم التخلى عنها . وحدة السودان يجب ان تقوم على اسس جديدة وعلى نظام سياسى و اقتصادى و اجتماعى يجمع عليه كل شعوب السودان . ينبغى الا نخدع انفسنا ، نحن لسنا امة واحدة ، و لسنا شعبا متجانسا ، فنحن شعوب و قوميات متعددة حدد لنا المستعمر مصيرنا و لم يكن لنا يد فيه ، انظر ايها القارئ الكريم الى حجم الفراغ الوجدانى بين شعوب السودان (مأساة طلاب دارفور ، الابادة التى جرت و تجرى فى كل مناطق الهامش) ، فاذا وجدت شروط عادلة تجمعنا فأهلا و سهلا والا لن يجدى البكاء على وحدة لم تتحقق ابدا .

و عودة الى حديث الكاتب عن الانقلاب الذى يقف ورائه اثنية معينة ، و من ثم فارقت الحركة الشعبية النهج القومى ، هذا حديث يساق بلا اساس . الخلاف الذى ادى الى استقالة الرفيق/ الحلو كان خلافا حول مسائل مبدئية عرفها الناس كافة و ليس ورائه طموح شخصى . فاسباب الاستقالة انحصرت فى غياب الرؤية التى توجه خطى الثورة ، الفشل فى بناء الهياكل و المؤسسات القومية ، تغييب المؤسسات والاعتماد على الاجتهاد الفردى ، بناء تنظيم موازى و الانحراف عن المسار بترديد شعارات تفرغ مشروع السودان الجديد من معناه . وكذلك قدم الرفيق استقالته لمجلس التحرير الاقليمى لاسباب موضوعية يعرفها القاصى و الدانى وهى غياب المؤسسات القومية وباعتبار الرفيق/ عبدالعزيز الحلو ممثلا لخصوصية اقليم و شعب جبال النوبة ك (indigenous peoples)، والا فليثبت لنا من يدعى غير ذلك ان القيادة المعفاة قد نفذت المهام المحددة الموكلة اليها منذ عام 2011 ؟ وهل الامين العام السابق نجح فى بناء الهياكل التنظيمية ؟ وهل يستطيع الرئيس السابق اقناعنا ان ورقة المبادئ المقدمة بواسطة كبير المفاوضين السابق - و قد علمنا بموقفهم من مطلب تقرير المصير - لا تفضى بتسريح الجيش الشعبى ؟.

الامين العام السابق يحفظ له الكافة سبقه و كفاحه فى نضال الهامش ، ولم يتم اقالته من عضوية التنظيم بل ازيح من موقع يتم تداولة عادة بين عضوية التنظيم من حين لاخر و ما كان سيتربع فى قمة الجيش و التنظيم ان كان المعيار هو القبيلة و الاثنية . ان حصر قومية الحركة الشعبية لتحرير السودان فى شخص محدد و بغيابه تنتفى القومية و تصبح محض "شغل نوبة" لامر عجيب ؛ و الا اخبرونا اين نضع قادة امثال محمد احمد الحبوب ، ادم كرشوم ، ياسر جعفر السنهورى وغيرهم كثر .

و نواصل ........

كموكى شالوكا (ادريس النور شالو)



0 519 09/08/2017 - 09:51:11 PM طباعة

أضف تعليق

أحدث الفيديوهات
اعلانات
المتواجدون حاليا
au   1 ru   1
us   14
إستطلاع الرأى

Loading...

facebook
إحصائيات الموقع
عدد الاخبار 3842
عدد المقالات 1402
عدد الفيديوهات 69
عدد الصور 140
تفضيلات القُراء
-
جديد الصور
follow us on twitter